Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

الرفق في العلاقات: بين من أعطى كل شيء وعاد بلا شيء ..

قد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المعنى العميق بعنوان: الرفق في العلاقات: بين من أعطى كل شيء وعاد بلا شيء .. لأنني أؤمن أن العلاقات الطيبة لا تُبنى على العتاب، بل على الشعور، ولا تستمر بالمجاملات، بل بالصدق والرفق، وقد سطرت هذه المقولة:

 

“ارفقوا ببعضكم، فكلٌّ منا كُتب له طريقٌ يمشي فيه،

منا من عاد خاوي اليدين بعدما أعطى كل شيء،

ومنا من أجهدت يداه من تمسكه بعلاقات خاسرة…

وصدق رسول الله ﷺ حين قال: إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه”.

 

الرفق في العلاقات.. في خضم العلاقات التي نعيشها يومًا بعد يوم، يتكرر مشهد مؤلم: أحدهم يبذل أقصى ما يستطيع ليحافظ على من يحب، يعتني بكل التفاصيل الصغيرة، يتمسك بالعلاقة حتى وإن خسر نفسه فيها، يواصل العطاء ولو تآكل داخله شيئًا فشيئًا. لا لأنه ضعيف، بل لأنه صادق، قلبه لا يعرف إلا أن يعطي بلا قيد. في المقابل، يقف الطرف الآخر متفرجًا على هذا الإنهاك العاطفي، دون أن يشعر بثقل ما يُقدّم له. هنا، تبدأ المفارقة المؤلمة بين من أعطى كل شيء، وبين من عاد بلا شيء. ومن هذا المشهد المكرر تنبثق الحاجة إلى إدراك قيمة الرفق في العلاقات، كعنصر لا غنى عنه لأي رابط إنساني سليم.

الرفق زينة العلاقات: بين من أعطى كل شيء وعاد بلا شيء


ما الذي يجعل الرفق في العلاقات ضرورة لا ترفًا؟

الرفق ليس مجرد تصرف لطيف أو مجاملة لحظية، بل هو روح تُسكب في العلاقات فتنعشها. حين يغيب الرفق عن تعاملاتنا، تتحول أبسط الخلافات إلى معارك، وتُصبح الكلمات أدوات قاسية لا تشبه الرحمة. في العلاقات التي يغيب عنها هذا الرفق، تضعف لغة القلب، ويتضاءل الحضور الشعوري حتى تنطفئ جذوة الارتباط. وفي المقابل، العلاقات التي يسودها الرفق، نجد فيها أعذارًا، تفهّمًا، وصبرًا على التقلبات الطبيعية بين البشر. وقد تناولت هذا المعنى في مقالة سابقة بعنوان “كن أمينًا على قلبك ومشاعرك”، والتي تطرقت فيها إلى ضرورة أن نحمي مشاعرنا من الإنهاك ونصون قلوبنا من التشتت العاطفي، حتى لا نستنزفها في علاقات بلا ضوء.

الرفق زينة العلاقات


العطاء دون مقابل… عندما يغيب التوازن في العلاقة

كثيرون أولئك الذين استنزفوا أرواحهم في سبيل علاقات لم تكن عادلة، أولئك الذين تمسكوا رغم الصمت، وأحبّوا رغم الجفاء، وصبروا رغم الخذلان. حين يكون أحد طرفي العلاقة متفانيًا والآخر متفرجًا، فإن الرفق يغدو صرخة غائبة. لا نحتاج في تلك اللحظات إلى حلول معقدة، بل إلى قلب يشعر، وعقل ينصف، ورفق يوازن. فالعطاء في العلاقة لا يجب أن يكون حملاً يُثقل كاهل طرف دون آخر.


هل نُجيد الانسحاب بلطف حين نفشل في الاحتواء؟

من أكثر ما يؤلم في العلاقات هو الفقد المؤذي، ليس لأن الشخص غاب، بل لأنه انسحب دون رفق. لا وداع، لا تفسير، لا كلمة تعيد شيئًا من الكرامة. البعض يجهل أن الرفق في العلاقات لا يعني الاستمرار فقط، بل يشمل حتى طريقة الانتهاء. فأن تنسحب بأدب، أن تعتذر عند القسوة، أن توضح حين تغيب، كل ذلك من أوجه الرفق التي تحفظ القلوب وتمنحها شفاءً نفسيًا بعد الانفصال.


الحرب الصامتة: حين يتحول القرب إلى اختبار مؤذٍ

هناك من لا يتحدث، لكنه يعاقب بالصمت. وهناك من يُحب لكنه يختبر حبك بالخذلان. مثل هذه الأنماط تفتقر إلى أساس جوهري وهو الرفق في العلاقات. بعض العلاقات تشبه ساحة حرب نفسية، حيث يسود الصراع على إثبات الأهمية بدل من أن تسود المحبة والاحتواء. والقلوب التي تخوض هذه الحروب الصامتة تنهك سريعًا، وتفقد قدرتها على الحلم بالبقاء.


العلاقات المتزنة تبدأ من التقدير لا من المطالبة

حين تبنى العلاقة على التقدير الصادق، لا يحتاج الطرف الآخر لشرح ألمه أو المطالبة باهتمام. الرفق يجعلنا نُبادر، نفهم ما لم يُقال، ونحتوي الألم قبل أن يُصرّح به. العلاقات التي يغيب عنها هذا الفهم العميق، تتحول تدريجيًا إلى جدران صامتة، يغلب فيها التعب على المحبة، ويغدو الصمت لغة النجاة الوحيدة.

الرفق زينة العلاقات


كيف نُعيد ثقافة الرفق إلى علاقاتنا؟

الرفق ليس رفاهية عاطفية، بل حاجة يومية، تبدأ من نبرة الصوت وتصل إلى كيفية التعامل مع الضعف. علينا أن نُعلّم أبناءنا كيف يرفقون بمن يحبون، وكيف يُنصتون دون مقاطعة، ويعتذرون دون تبرير. علينا أن نُحيي لغة الشعور، ونُعيد مكانة الكلمات الطيبة إلى قواميس علاقاتنا. فقط حين نُدرّب أنفسنا على الرفق، يصبح العالم أقل قسوة.


وداعًا مؤلمًا… ولكن برفق

ليس كل فراق كريهًا، فقد يكون الرفق في أن تُنهي علاقة تُنهك روحك. لا قسوة في الرحيل حين يتم بلطف. أن تقول: “أنا تعبت”، أو “لم أعد أتحمّل”، هو أيضًا شكل من أشكال الرفق بالنفس. فبعض العلاقات لا تُشفى إلا بالانسحاب منها، وكرامتنا تستحق أن تكون أولوية.


الخلاصة

الرفق في العلاقات ليس مجرد خلق مستحب، بل ضرورة حياتية تحفظ التوازن العاطفي والنفسي بين الأطراف. حين نفتقده، تتآكل القلوب، وتخبو الألفة، وتتحول العلاقات من سكن إلى عبء. فلنُحيي الرفق فينا، ولنجعل منه عنوانًا في كل علاقة نعيشها، بدءًا من أقرب الناس إلينا، وصولًا إلى أنفسنا التي تستحق منا أحنّ رفق.


د. سلطان عقيل

 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

2 Responses

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد