في عالم يموج بالمشاعر المتقلبة، والأحداث المتلاحقة، يبقى التمييز بين من يستحق أن يُدعى “عزيزًا” ومن لا يستحق، أحد أعقد اختبارات الوجدان. فنحن لا نُمنح قلوبنا عبثًا، ولا نثق بالناس دون إشارات ودلائل، ولكننا في غمرة تعلقنا، نُصاب بالخذلان من أولئك الذين توقعناهم أمناء علينا، فإذا بهم أول من يطعن صدقنا. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المفهوم التأملي العميق بعنوان كن أمينًا على قلبك ومشاعرك .. ، من خلال المقولة:
“كونوا على يقين بأنه لا يوجد عزيز مؤذي،
ومن اعتبرته يومًا ما عزيزًا سيشتري خاطرك ولو كان بالمقابل الدنيا وما فيها،
ومن لم يفعل ذلك نحوك فتأكد بأنه لم يكن يومًا ما أمينًا عليك،
فكن أمينًا على قلبك ومشاعرك “
في قلب كل علاقة إنسانية حقيقية، هناك أمانة خفية لا تُرى، لكنها تُشعر وتُلمس. أمانة المشاعر. فمن يحملك في قلبه حقًّا، لن يقبل أن يراك متألمًا منه، بل يسبقك إلى اعتذارٍ، وتوضيح، وحرص. أما من لا يعنيك في وجدانه، فلن يفكر حتى في أثر كلماته عليك، ولن يكترث لحزن وجهك حين تنكسر أمامه. وهنا يُسقط الزمن كثيرًا من الأقنعة التي ظنناها صدقًا.

إن العاطفة، وإن كانت بطبيعتها كريمة ومعطاءة، إلا أنها لا يجب أن تُمنح دون وعي، أو تُسكب على من لا يدرك قيمتها. فكم من قلوب طاهرة تشققت تحت وطأة خيبة لم تكن في الحسبان، لا لأن الطرف الآخر مؤذٍ بالفطرة، بل لأنه لم يملك ذلك الوازع الذي يردعه حين يوشك أن يجرح، أو يغدر، أو يتخلى. وهنا نكتشف الحقيقة القاسية: لا يوجد عزيز مؤذي. فإن أذاك، فهو لم يكن عزيزًا من البداية.
لطالما ظننا أن الحب والتقدير كافيان ليحميانا من الخذلان، لكن الحقيقة أن العِشرة ليست ضمانة، ولا كثرة الذكريات تعني رسوخ الولاء. من يراك مهمًا، سيبذل الجهد ليبقى نورك مشرقًا في حياته. من لا يُراعيك، فقد اختار طواعية أن يكون غريبًا عن قلبك، حتى لو ظل جسده قريبًا. لا تنتظر ممن خان الأمانة أن يعيدها، بل كن أنت الحارس الأمين على ما بقي من مشاعرك.
العزيز الذي تستحقه ليس ذلك الذي يُغرقك بالحديث المعسول ثم يتنصل عند أول اختبار، بل ذاك الذي يحفظ مقامك في الغيب، ويعتذر حين يخطئ، ويضعك في قلب حساباته، لا على هامش أولوياته. من لا يشتري خاطرك، لا يستحق أن تسكنه مشاعرك. من لا يؤمن بك وقت ضعفك، لا يستحقك وقت قوتك. هذه قاعدة تُنقذك من أوجاع كثيرة.
وهل هناك أصعب من شعورك بأنك كنت الأصدق، ولكنك الأضعف في عينه؟ أن تكون قد أعطيته كل شيء، بينما لم يكن هو إلا انعكاسًا لخذلانٍ آخر. لا تظن أن الطيبة هي التي أضاعتك، بل العشم الزائد بمن لا يليقون بك. لهذا لا تتردد في أن تكون أمينًا على مشاعرك. فالقلوب التي لا تصونك لا تستحقك، ومن أدار لك الظهر، فامنحه السلام ولا تعطه الحنين.
الخذلان لا يأتي دائمًا من العدو، بل في معظم الأحيان من ذاك الذي أعددت له في قلبك مقعدًا لا يُزاحم. لهذا، فكن يقظًا في منحك. لا تحبس مشاعرك، ولكن لا تهبها في غير موضعها. فالأرواح الطاهرة تستحق الاحتفاء، أما تلك التي تستهين بك، فسلام عليها. تأكد أنك لست مخطئًا حين تحب، ولكنك كنت كريمًا مع من لا يستحق.
الحياة قصيرة بما يكفي لأن نعيشها بسلام داخلي. لا تسمح لمن لا يراك عزيزًا أن يحتل قلبك، ولا لمن لا يقدّرك أن يعيد تشكيلك. كن أنت، وكن حارسًا نبيلًا على عواطفك. لا تلتفت كثيرًا لمن غادر، ولكن تأمل من بقي، واحتفظ بمن يحمل لك في قلبه وفاءً صامتًا.
الخلاصة
ليست العلاقات بطولها، بل بصدقها، ولا يُقاس القرب بالزمن، بل بالحرص والنية الطيبة. فالعزيز لا يؤذي، والمحب لا يتجاهل، والوفي لا يخذلك. لا تجامل على حساب قلبك، ولا تساوم على سلامك. احمِ مشاعرك كما تحمي أغلى ممتلكاتك، لأن من لم يكن أمينًا عليك، لا يستحق أن يُسكنك فيه.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى

