تناولت في مدونتي “أولي النهى” أكثر العلاقات إنهاكًا ليست تلك التي تعجُّ بالصراخ والشتائم، بل تلك التي يبدو ظاهرها هادئًا، لكنها تستنزفك في الخفاء، عبر موجات متتالية من التبرير، والشرح، والتفسير لما تقول وما لا تقول. بعنوان: غادر حين يكون التواصل استنزافًا وتبريرًا ، حيث أن ذلك النوع من التواصل يصبح فيه الحديث مرهقًا. وقد تناولت مرارًا في مدونتي “أولي النهى” أثر هذا النوع من العلاقات على النفس، وكيف أنها تستنزف العمر دون ضجيج. ولعلّ أولى علامات الانسحاب الذكي أن تعي متى يتحوّل الحوار إلى عبء، والتقارب إلى محاكمة، والتواصل إلى نزف داخلي لا يراه أحد. وقد أشرت إلى ذلك في مقالة “الرفق في العلاقات: بين من أعطى كل شيء وعاد بلا شيء” حين تحدّثت عن العلاقات التي تُنهك العطاء، كما توسعت في مقالة “العلاقة التي تجبرك على التبرير .. تسرق منك ذاتك” عن تلك العلاقات المرهقة والمؤذية.
كلها إشارات تؤكّد أن التواصل إذا تحوّل إلى ساحة للاتهام الصامت، وميدان لتأويل النوايا، فإنه لم يعد تواصلًا… بل اختراقًا صامتًا لسلامك الداخلي، يستوجب منك أن تُغادر لتبقى بكامل نورك.
قد يكون في حياتك شخص تُحبه، أو ترتبط به، أو تعمل معه، لكنك تجد نفسك مرغمًا على شرح نفسك بشكل متكرر ومُنهك. تبرر لماذا قلت كذا، ولماذا لم تقل، لماذا تغيّرت نبرتك، لماذا اختفيت ليوم، أو ضحكت بطريقة معينة، أو تفاعلت بشكلٍ أقل من المتوقّع. هذه العلاقة بحد ذاتها ليست مريحة، بل خانقة. لأن التواصل فيها لم يعد وسيلةً للتفاهم، بل منصةً للمرافعة. وفي كل مرة تحاول فيها إصلاح الصورة، يبتعد عنها الآخر أكثر. وهنا تأتي القاعدة الذهبية:
غادر حين يكون التواصل استنزافًا وتبريرًا.
فالعلاقة الصحية لا تُجبرك على أن تكون محاميًا عن نفسك طوال الوقت، بل تمنحك الأمان لتكون أنت. تسمح لك بالصمت، بالغموض، بالتراجع قليلًا، دون أن تُفسَّر تصرفاتك كأسلحة موجهة أو نوايا سيئة. إن البيئة التي تجعلك تُراجع نفسك بعد كل كلمة، وتُحلّل ردود فعلك، وتخشى أن تُفهم بشكل خاطئ، ليست بيئة صالحة لنموك النفسي والعاطفي، مهما بدا الحب حاضرًا أو القرب واضحًا.
إن الأماكن التي تشعرك بأنك “تُفهَم دون شرح” هي الأكثر أمانًا، لأنها تحترم حدودك الداخلية. أما تلك التي تجعلك تبني جدارًا من التوضيحات أمام كل تصرف، فهي تُشبه الزنزانة التي تُغلفها بالألوان. لهذا، إن كان التفاهم بينك وبين من تحب مرهونًا بقدرتك على التبرير الدائم، فاعلم أن ما بينكما ليس حبًا نقيًا، بل عبئًا مموهًا بالالتزام.
وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” في غير مناسبة كيف أن بعض العلاقات تبدأ بأدبٍ ظاهر، لكنها تُخفي جوعًا مزمنًا للسيطرة. العلاقة التي لا تقبلك بصورتك الحقيقية، بل تطالبك بإخراج نسخة مُحسّنة من ذاتك على مدار الساعة، هي علاقة تستنزفك عاطفيًا. وإن لم تُنقذ نفسك منها في الوقت المناسب، ستُصبح إنسانًا يُبرر وجوده نفسه، لا فقط تصرفاته.
وما أصعب أن تُجرّد نفسك من تلقائيتك. أن تخشى أن تقول شيئًا طبيعيًا، أو أن تتصرف بعفويتك. أن تتحول إلى آلة حسابية تُدقق في كل كلمة. فهذا النوع من العلاقات لا يُنشئ تواصلًا، بل يُعيد إنتاج الخوف بصيغة التفاهم. إن التبرير المزمن مرضٌ صامت، لا نراه لأنه مغطى بابتسامات وهمية وتفهّم كاذب. لكنه مع الوقت يُحطم الإنسان من الداخل.
ولهذا نقول دومًا: غادر حين يكون التواصل استنزافًا وتبريرًا. لا تساوم على كرامتك العاطفية. لا تبقَ في مكانٍ يسلبك راحتك، ولا تشعر فيه بالانتماء. الحياة لا تحتمل أن تُهدرها في علاقات تُطفئك رويدًا، وأنت تظن أنك تُحافظ على السلام. السلام الحقيقي لا يأتي من التنازل الدائم، بل من الاحتفاظ بالنسخة الأصلية منك دون خوف أو وجل.
إن أكثر ما يستنزف القلب أن يُعامل كما لو أنه في محكمة، لا في حضنٍ آمن. أن يُطلب منه دائمًا أن يثبت حسن نواياه. بينما الإنسان يحتاج إلى بيئة تُنصت إليه لا تُدينه، تحتضنه لا تُشهر به، تسأله لتفهمه لا لتُشككه في نفسه. ولأننا نعيش في زمن يكثر فيه الشك باسم الصراحة، ويُلبّس فيه الإهمال ثوب الحرص، أصبح من الضروري أن تُميز العلاقة التي تستحق منك البقاء، وتُغادر الأخرى دون ندم.
الخلاصة:
لا تُشعل نورك في أماكن تُصرّ على أن ترى فيك العتمة. لا تُهدر نفسك في تبرير مستمر لا ينتهي. لأن من يحبك بصدق، لا يُطالبك بالشرح اليومي، بل يمنحك المساحة لتكون.
غادر حين يكون التواصل استنزافًا وتبريرًا…
فالكرامة لا تليق بتعايشٍ يُشوّه سلامك الداخلي.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى




