Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع

في الحياة، عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فليست كل نجاة تُقابل بالتصفيق، وليست كل عثرة تُقابل بالتعاطف. ثمة نجاتك قد تُربك أحدهم، وقد تُصبح قصة تُسرد في مجالس الغيرة لا مجالس التهنئة. كثيرًا ما نعتقد أن من حولنا سيفرحون لنا، سيبتسمون عندما ننجو من مكائد أو نعبر محنًا، لكن الواقع يكشف لنا خلاف ذلك. وهنا، يتجلى قوله تعالى: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120]، لتُضيء لنا حقيقة أن الصبر والتقوى طريق نجاة من الكيد. وقد تناولت هذا الجانب في مدونتي “أولي النهى” بعنوان: عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع ، وتم التطرق اليها في مقالة سابقة بعنوان “كن أمينًا على قلبك ومشاعرك”، لأنني أؤمن أن الوعي بهذه الحقيقة يُجنبنا الكثير من خيبات التوقع، وقد سطرت هذه المقولة:

حينما تَنجو مِن المكائد،
ليس كُلُّ مَن يُحدِّقُ بِكَ سَعيدًا لأنك نَجوت،
ولكن سَتجِدُ منهمُ المُندهِشَ كَونَك نَجوت.

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا

وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) آل عمران

عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع


عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فذلك لأن نجاتك تفضح نواياهم. النجاة هنا ليست جسدية فقط، بل هي نهوض من خيبة، شفاء من علاقة منهكة، أو تحرر من دائرة خانقة. بعضهم كان يراهن على انهيارك، على بقائك محطمًا. فلما وقفت، أصابهم الذهول. هم لا يحزنون لأنك تألمت، بل لأنك لم تبقَ مكسورًا كما توقعوا. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية: من يبتسم لعودتك؟ ومن يُعرض عنك لأنك عدت أقوى؟


وقد سطر هذا العنوان “عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع” ببداية كل صدمة، يظن من آذاك أن السقوط مصيرك المحتوم، وأنك لن تنهض مرة أخرى. غير أن بعض الجراح توقظ ما لم نكن نعلم بوجوده. وهكذا، حينما تكون نجاتك صامتة، متزنة، لا تستجدي تعاطفًا ولا تصنع ضجيجًا، فإنها تربك حسابات من راهنوا على انكسارك. في الواقع، كثير من النجاحات العظيمية بدأت بعد خيبات قاسية، وكان أول الغيث قرار النجاة.

عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع


من جهة أخرى، ليس كل من يراقبك ينتظر لك الخير. بل على العكس، بعضهم يتعثر قلبه كلما رأى أنك نجوت، أنك تجاوزت، أنك ابتسمت من جديد. في المقابل، هؤلاء لا يظهرون عداوتهم بوضوح، بل يختبئون خلف تصفيق بارد، أو صمت مُربك. ومع ذلك، أنت لا تحتاج لتبرير نجاتك، فالذي أنقذك لم يكن منهم، ولن يكون.


بعض العلاقات لا تُبنى على الحب بل على التمكّن. عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فإنك تكون قد كسرت ديناميكية سيطرتهم. النجاة من علاقة سامة ليست فقط قرارًا، بل هي إعلان تمرّد على من اعتاد أن يستنزفك. أنت لم تعد “ذاك الشخص السهل”، فبات حضورك يربكهم. بات صمتك حاسمًا، وخروجك من حياتهم صفعة لن ينسوها. النجاة هنا ثورة هادئة لا تُعلن، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى.


عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع سوف تنهدش تكل القلوب المريضة من نجاتك. حين تنهض، لن تجد الجميع في صفك. هناك من سيُظهر الدهشة، لا الفرح. من سيرمقك وكأنك خذلت توقعاتهم. ستشعر بذلك في نظراتهم، في تعليقاتهم المبطنة، في غيابهم حين كنت تحتاج، وحضورهم حين ظنّوا أنك انتهيت. وعندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فأنت تكتشف عمق الزيف الذي كان يختبئ تحت مظلة “الاهتمام”.

عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع


النجاة، أحيانًا، هي أعظم انتقام. ليس لأنك تسعى للأذى، بل لأنك تسلب خصومك متعتهم بسقوطك. هؤلاء لا يُزعجهم أنك تألمت، بل يغيظهم أنك نجوت. كم من مرة شعرت بأن بعض التهاني كانت باردة؟ كم مرة أحسست بأن نجاتك خذلت من كان ينتظر سقوطك؟ في تلك اللحظات، يتجلى المعنى العميق لقولنا: عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع.


القلوب الصافية تفرح لنجاة غيرها، أما القلوب المريضة فتتوارى خلف أقنعة. بعضهم لن يقدر انتصارك، لا لأنه لا يعرف قيمته، بل لأنه لم يتخيلك إلا ضعيفًا. هؤلاء لا يريدونك في الأعلى، بل في الزاوية. فإذا خرجت للنور، بدوت لهم خطرًا. لا تغضب من ذلك، فكل نجاة تُغربل المحيطين بك. كل وقوف على قدميك يكشف من كان سندًا، ومن كان حائطًا يدفعك للخلف.


لا تجعل نجاتك سرًا، ولا تعتذر عنها. تحدث عنها كما تتحدث عن أي إنجاز. لأنك حين تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فأنت بالضرورة فعلت شيئًا عظيمًا. البعض لن يحتمل رؤيتك تتجاوز جراحك، لأنك تشكل تذكيرًا بصبر لم يقدروا عليه، أو قرار لم يستطيعوا اتخاذه. كل خطوة تخطوها نحو التعافي تفتح فيهم جرحًا، ليس ذنبك، بل ذنب العتمة التي اختاروها.


في النهاية، لا تبنِ نجاتك على تصفيق الآخرين. ولا تنتظر من الجميع أن يفرح لك. لا تتفاجأ حين تكتشف أن بعض “الأصدقاء” اختفوا يوم احتجت، وأنهم لم يعودوا عندما عدت. اجعل نجاتك خالصة لك، لأجلك. لأنك تستحق أن تكون حرًا من تلك القلوب التي كانت تنتظر سقوطك فقط لتُشبع غرورها. عندما تكون نجاتك قصة لا تسعد الجميع، فتأكد أن فرحك بحد ذاته كافٍ.


الخلاصة:

حينما لا يُفرح الآخرين نجاتك، لا تُفاجأ بغياب التهاني. ولا تندهش إن كانت نجاتك مرآةً تُزعج من اعتاد رؤيتك منكسراً. احتفل بنجاتك حتى وإن كنت وحدك، فبعض الانتصارات لا تحتاج جمهورًا، بل تحتاج قلبًا ممتنًا أنه عبر العاصفة ولم ينكسر.

 

 


 

د. سلطان عقيل

 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد