Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

أنصاف الحلول… طريقٌ بلا وجهة ومكانة تُهدَر بالتدريج

في مراحل كثيرة من حياتنا، نُوضع أمام خيارات صعبة، وطرق متقاطعة، ومسارات لا تبدو كاملة أو مرضية. نشعر أن أي قرار يحمل في طياته خسارة ما، وأن المضي في أحد الاتجاهات لا يضمن تمام الراحة ولا يحقق الرضى الكامل. وهنا يظهر أكثر الخيارات خداعاً: أنصاف الحلول. أنصاف العلاقات، أنصاف القرارات، أنصاف الرغبات. فنتعلق بها بحثاً عن استقرار وهمي، لكننا سرعان ما نكتشف أن هذا التوازن المؤقت يُنهكنا أكثر مما يُنقذنا، ومن هذا المنطلق تناولت هذه المقالة بمدونتي “أولي النهى” بعنوان أنصاف الحلول… طريقٌ بلا وجهة ومكانة تُهدَر بالتدريج ، هذا المشهد الداخلي الذي يقع فيه كثيرون حين يقبلون بحياة باهتة، علاقات منقوصة، أو طموحات نصف مكتملة، ثم يُعاقبون بصمت على قرارهم بالتقليل من أنفسهم.

 

لا تقنع بأنصاف الحلول، فلا تقدّم ستحرزه ولا تراجع سيرضيك.

فإما أن تحقق ما يرضي ذاتك، أو ستعيش في تسوية لا تليق بك.

وستنهال عليك قبول تسويات باطلة… لا تتناسب مع مكانتك.

أنصاف الحلول لا تُبقيك في مكان، ولا تُوصلك إلى مكان. تظل معلّقاً بين ما تريد وما تقبل به، بين ما تطمح إليه وما يُتاح لك. تعيش شعور “لست حيث أريد”، لكنك لا تملك الشجاعة لتنتقل، ولا الطمأنينة لتبقى. وهذا أصعب المواقف النفسية… أن تعيش بلا يقين.

القبول بنصف حضور في علاقة، أو نصف اعتراف بجهدك، أو نصف تقدير في عملك، يعني أنك تسمح تدريجياً للآخرين بأن يرسموا لك الحد الأدنى لما تستحق، فتُقنع نفسك به. وحين تُسلّم بذلك مرة، تُصبح مستعداً للتنازل في كل مرة قادمة. فالتسوية ليست دائماً علامة نضج، بل قد تكون أحيانًا شكلاً من أشكال الخوف. الخوف من الفقد، من المواجهة، من إعادة البدء. فنُمسك بما هو متاح، حتى لو لم يكن يليق بنا. نُصالح الوضع، لا لأننا راضون، بل لأننا خائفون من الفراغ أو الوحدة أو التغيير.

أكثر ما يؤلم في أنصاف الحلول أنها لا تترك لك وجهاً لتفخر به، ولا مساحة لتتنفّس فيها ذاتك. أنت لا تتقدم، ولا تتراجع، فقط… تعيش في حالة ترضية مستمرة. تبرر، تساير، تُهدئ توترك بكلمات مثل: “أفضل من لا شيء”، أو “ربما يتغير”، بينما الواقع لا يتغير، بل يُمعن في استنزافك. وأما الرضى الذاتي لا يتحقق حين يُخمد شغفك، ويُدفن صوتك الداخلي تحت ركام المجاملات والتنازلات. لأنك حين تخذل ذاتك لمجرد أن تستمر، فأنت تهدر الطاقة التي وُهبت لك لتُنجز، وتكبت صوتك الذي وُجد ليقودك.

التراجع أحياناً أكرم من البقاء في مكان لا يُشبهك. الاعتراف بأنك في علاقة أو وظيفة أو دور لا يُرضيك، هو أول خطوة للنجاة. لكن أن تُقنع نفسك بأن هذا هو “المتاح”، وتُكمّل الطريق بلا شغف، فذلك هو الانتحار البطيء لهويتك. تسوياتك المتكررة ستتحول مع الوقت إلى عادة. تُخفض سقفك شيئاً فشيئاً، إلى أن ترى الأمور العظيمة التي كنت تحلم بها… بعيدة لا تستحق المحاولة. وعندها، تكون قد خسرت المعركة حتى قبل أن تبدأ، لأنك اختصرت نفسك بيدك. فمن يعرف قيمتك لن يُقدّم لك أنصاف الفرص. ومن يُحبك بحق لن يمنحك نصف قلب، ولا يطلب منك نصف حياة. ومن يحترمك لن يُرضى لك دوراً ثانوياً في قصتك الخاصة. العلاقات السوية، والفرص العادلة، لا تأتيك مشروطة، بل تُقدم لك لأنك تستحقها.

كن صادقاً مع نفسك: ما الذي قبلت به لأنك خفت؟ من الذي سمحت له أن يُعيد تعريفك بناءً على ما يُريحه؟ كم مرة قلت “لا بأس” وأنت تشعر أن كل شيء بداخلك يرفض؟ تلك اللحظات، هي التي ترسم مصيرك… فاختر فيها ذاتك.

 

الخلاصة:

أنصاف الحلول ليست حلولاً… بل انسحاب غير مُعلن من ذاتك.
لا تقبل بتسوية لا تليق بك، لأن من يرضى بالقليل… يُحرَم الكثير.
ولا تسمح أن تكون باهتاً في مشهد كان يجب أن تكون فيه بطلاً.


 

د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد