بعض العلاقات لا تُنهيها الصراعات، بل ينهيها الصمت. لا يتطلب الأمر انفجاراً أو خلافاً عاصفاً، بل فقط… يقظة داخلية تدرك فيها أن البقاء يُرهقك، وأن الاستمرار صار شكلياً، وأنك لم تعد ترى نفسك في هذا المكان. تبدأ المسافة بالتشكل رويداً رويداً، وكأن الروح تستعد للانفصال قبل أن تنطق به الألسن. لقد حاولنا بكل الطرق، قاومنا، جاملنا، صمتنا، تمنّينا، لكن الحقيقة كانت واضحة دوماً… لم يعد هناك حل آخر. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه اللحظة الصامتة بعنوان حين لا يعود للبقاء معنى… فالفقد أحياناً هو بداية الحياة والتي تُعيد فيها ترتيب قلبك، حين يصبح القرار الوحيد الصعب هو النجاة من علاقة تستنزفك باسم الاستمرار، ويصبح الفقد ضرورة لتستعيد الحياة، حيث تسطر المقولة:
فلم يكن هناك حل آخر،، فقد حاولنا الاستمرار بجميع الطرق،
ولكن اضطررنا لاتخاذ القرار. فابتعدنا رويداً رويداً حتى وجدنا أنفسنا في معزل.
كانت قصة قصيرة.. ونهاية لبداية جديدة.
تلاشت فيها الغشاوة التي منعتنا من رؤية الحياة بمنظورها الجميل.
تخلصنا من الطاقة السلبية التي عاشت معنا فترات طويلة،
ونحن في أول خطوات الانطلاق لحياة أجمل.
ما أجمل الحياة بدونهم.”
نخاف من كلمة “النهاية”، لأننا نربطها بالخسارة، لكننا لا ندرك أن بعض النهايات هي الشيء الوحيد الذي كان يجب أن يحدث. الاستمرار في علاقة متهالكة هو شكل آخر من أشكال الانطفاء، هو موت داخلي تدريجي، لا تراه، لكنك تتآكل من داخلك بهدوء، ويُطفئ ملامحك على مهل. فأحيانًت لا يكون الطرف الآخر سيئًا، لكنه ببساطة… لا يُشبهك. لا يفهم عمقك، ولا يقدّر تفاصيلك، ولا يشعر بقلقك. تستمر في بذل محاولات الترميم، وتنتظر أن يشعر بك، أن يتغير، أن يلاحظ. لكن كل ما يحدث هو أنك تُنهك، وتخسر جزءًا من ذاتك في كل مرة تُقاوم فيها الانهيار.
الانفصال ليس خيانة للتجربة، بل احترامٌ للنفس. هو اعتراف شجاع بأن هذا ليس مكانك، وأنك تستحق بيئة تُثمّنك، لا تُهملك. تستحق طمأنينة، لا تبريراً دائماً. يستحق قلبك مساحة يُحب فيها دون خوف، ويعطي دون أن يشعر أنه يُستنزف في اتجاه واحد. وما أصعب أن تُحب ولا يُحس بك، أن تحاول ولا يُلاحظ جهدك، أن تُضيء لأحدهم طريقه، ثم يطفئ نورك حين تنطفئ لمرة. حينها، تدرك أن البقاء في هذه العلاقة هو إنكار لذاتك، وأن الرحيل، مهما كان مؤلماً، هو خيار إنقاذ، لا هروب.
المعزل الذي تصل إليه بعد الانفصال ليس عزلة، بل لحظة التقاء مع ذاتك. تلك المساحة التي تسترد فيها صوتك الداخلي، وتسمع نبضك بوضوح، وتعيد ترتيب أولوياتك بعيداً عن التشويش. هناك فقط، تبدأ ترى الحياة بمنظورها الجميل، وتتنفس للمرة الأولى دون تأنيب. فحين تتلاشى الغشاوة، تُدرك كم كنت مُستغرقاً في التبرير، كم مرّة قلت: “لا بأس”، وكم مرة حاولت أن تُمضي الأمور رغم شعورك بالخواء. ثم فجأة، تدرك أن الحياة واسعة، وأنك أضعت وقتاً طويلاً في محاولة إنقاذ من لم يُمسك بك وأنت تسقط.
الطاقة السلبية لا تُولد فجأة، بل تتراكم. نظرة لا تُفسّر، كلمة لا تُعتذر، تجاهل صغير، تقليل مستمر، حتى تُصبح العلاقة بيئة خانقة. الانفصال هنا ليس موقفاً، بل علاجاً. لأنك إن لم تغادر، فإنك تُفرّط في صحتك النفسية، وفي احترامك لنفسك. والجميل بعد كل هذا، أنك تُشفى. لا دفعة واحدة، بل شيئاً فشيئاً. مع كل صباح جديد، تسترد شيئاً من نفسك، وتفهم أنك لم تخسر، بل كنت تُربّي روحك على النجاة. وأن الحياة، حين تُنظّفها من العلاقات المرهقة، تُزهر فيك من جديد.
وما أجمل الحياة بدونهم… حين لم يكونوا لك، ولا يشبهونك، ولا يُنصفونك. لا بأس برحيلهم، فهناك متسع في قلبك لما هو أجمل، لما يُراك دون أن تشرح، ويُحبك دون أن تُبالغ، ويمنحك الأمان دون أن تُطالب به.
الخلاصة:
ليست كل نهاية فشلاً… بعض النهايات بداية حياة.
فلا تخف من أن تترك ما يُتعبك، ولا تتمسك بما يُطفئك.
اختر نفسك أولاً، فستشكرك لاحقاً على هذا القرار.

