Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

حين تسمع “لا ظلم اليوم”… يطمئن قلبك رغم كل ما مرّ بك

هناك آياتٌ في القرآن لا تمرّ على القلب مروراً عابراً، بل تستوقفه، تسكن فيه، وتعيد ترتيب مشاعره المضطربة. آياتٌ لا تُقرأ فقط، بل تُعاش. تُصبح بمثابة يقين يطفو في لحظات العجز، ويُربت على القلب حين يثقل عليه الظلم، أو يطول عليه الانتظار، أو تتكرر فيه الخذلات من الناس. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا النص القرآني الذي يحمل في كلماته العدل المطلق، والطمأنينة الكاملة، بمقولة بعنوان حين تسمع “لا ظلم اليوم”… يطمئن قلبك رغم كل ما مرّ بك لمن أرهقته الموازين البشرية، واحتاج إلى أن يستند بقلبه على ميزان لا يختل ولا يضل.

 

من تلك الآيات التي ما إن تتردد على مسامعي حتى يطمئن قلبي، قول الله تعالى:

الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ” [غافر: 17]

نحن لا نطمئن لأننا بلا ذنوب، ولا لأننا بلا خذلان، بل لأننا نؤمن أن الله يرى، وأن كل شيء مُسجّل، وأن الصمت الذي نمارسه صبراً لا يُنسى، وأن الألم الذي كتمناه حفاظاً على كرامتنا لا يضيع. حين نسمع قوله: لا ظلم اليوم، نعلم أن كل صرخة كُتمت، وكل دمعة لم تُمسح، وكل نية طيبة أُسيء فهمها… محفوظة عند العادل الحق.

في زمن تمتلئ فيه القلوب بالتأويل، والنيات بالتشكيك، والمواقف بالخذلان، فإن وعد الله بالعدل الكامل هو المرفأ الأخير لكل نفس أُنهكت. أن تسمع: “كل نفس تُجزى بما كسبت”، فأنت لا تحتاج أن تُثبت شيئاً لأحد. لا تبرير، لا دفاع، لا صراخ. ما كسبت سيُعرض، وما أنفقت من مشاعر أو طاقة أو صبر أو دعاء… لن يُهدر. فهناك طمأنينة لا يمنحها لك سوى الإيمان بأن الله “سريع الحساب“. ليس سريعاً في عدّ الساعات، بل في كشف الخفايا. في أن تظهر الحقيقة دون أن تتكلم. أن يراك كما أنت، ويعلم ما في صدرك، ويُظهِر ذلك حين لا يكون معك أحد. حين تُكافأ على صمتك، وتُجازى على حسن ظنك، ويُردّ إليك اعتبارك لا بك، بل بالله.

في هذه الآية وعدان عظيمان: الأول، أنك تُجزى بما كسبت، لا بما ظنّ الناس بك. والثاني، أنه لا ظلم. لا يُنقصك أحد، لا يُقدّم عليك مَن ليس بأحق، لا تُحمّل ذنب غيرك، ولا يُسلب منك فضل تستحقه. وهذا هو العدل الذي لا نراه في الدنيا مكتملاً أبداً، لكن نطمئن أنه بانتظارنا. فحين تُظلم ولا تستطيع الدفاع، حين تُتهم بما لا تعلم، حين تُخذل ممن آويتهم يوماً… قل في داخلك: “لا ظلم اليوم”. لا ظلم على المشاعر التي لم تُفهم، ولا على الصدق الذي أُسيء تأويله، ولا على العطاء الذي قُوبل بالنكران. فالله، وإن أمهل، لا ينسى. وإن لم ينصفك الناس، فإنه لا يُخلف وعده.

من أجمل ما في هذا الوعد القرآني، أنه لا يُجزى أحد إلا بما كسبت يداه، لا بما أراده الناس منه. أي أن الجزاء فردي، ولا تحكمه ضوضاء المجالس ولا تهم الكواليس. كل كلمة، كل نظرة، كل نية… محفوظة. ولا يمكن أن تضيع في حسابٍ الله طرفه. فأحيانًا نظن أن أعمارنا تُستنزف في مساحات لا نُقدَّر فيها، وأننا نُعطي من أرواحنا دون أن تُكتب. لكن الحقيقة أن الله لا ينسى. حتى لو لم يُجزك أحد، فالله يجزي. حتى لو لم يُردّ اعتبارك في الأرض، فسيُردّ في يوم تظهر فيه السرائر، وتُنطق فيه القلوب، ويُقال فيه: “لا ظلم اليوم”.

الإيمان بعدل الله لا يجعلنا نكف عن طلب الإنصاف في الدنيا، لكنه يُسند ظهورنا حين يُخفق العدل الأرضي. يجعلنا لا ننكسر، لأن هناك رباً لا يسمح أن تُهان نية طيبة، أو يُستهان بعطاء مخلص، أو تُهمل دمعة صادقة. فكل نفس ستُجزى، وكل لحظة صبر لم تكن عبثاً. يطمئن قلبي حين أسمع هذه الآية، لأنني أعلم أن الله لا يحتاج شهوداً، ولا أدلة، ولا محامين. يعلم ما خفي، ويُنصف من صمت، ويُجبر من كُسر، ويُعيد الحقوق ولو بعد حين. فمَن أراد العدل في صورته المطلقة، فليتأمل هذه الآية: “لا ظلم اليوم”.

 

الخلاصة:

قد يتأخر الإنصاف الأرضي… لكنه لا يسقط في ميزان السماء.
فلا تحمل همّ إثباتك لأحد، ما دامت نيتك قائمة، وضميرك مستقر، وربك لا ينسى.
“الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.”

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد