Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

جميعنا راحلون… والحق لا يضيع عند من لا يغفل

هناك لحظات قرآنية تهزّ الروح هزاً، لا بكثرة الكلمات، بل بعمق الحقيقة التي لا يمكن الفرار منها. ومن أعظمها، الخطاب الإلهي الموجّه لسيد الخلق ﷺ، في قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]. خطاب لا يحمل في ظاهره تهديداً، ولا وعيداً، بل تذكيراً صارخاً بأن النهاية واحدة، وأن المصير حتميّ، وأنه لا أحد يُستثنى من الرحيل، مهما بلغت مكانته. ثم تأتي الآية التالية لترسم مشهداً بعد الرحيل: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 31]. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المقطع العظيم بعنوان جميعنا راحلون… والحق لا يضيع عند من لا يغفل ، الذي يُسكت ضجيج الدنيا، ويُوقظ النفس من خداع التفاصيل العابرة، من خلال المقولة:

في أحد الخطابات الموجه لنبينا محمد بقوله تعالى

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]

ثم تلاها سبحانه بقوله

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 31]

انه الاقتصاص لحقوق الله وحقوق البشر فيما بينهم

فلا تغرنك الحياة الدنيا .. فجميعنا راحلون وانا اليه راجعون

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]

في هاتين الآيتين تتجلى نهاية الجسد، ثم بداية الحساب. في الأولى موتٌ محقق، وفي الثانية عدالة لا محيد عنها. والمفارقة المؤلمة أن من يُخاصمك اليوم قد لا يُنصفك، ومن يُشوّهك قد ينتصر ظاهرياً، ومن ظلمك قد ينام قرير العين… لكن المشهد الأعمق هو ما بعد ذلك كله. المشهد الذي يُصفّي فيه الله الحسابات، ويُظهر فيه الخافي، ويُنطق فيه الشهود من الأرض واليدين والألسنة والنيات.

الموت، تلك الحقيقة التي لا يُجادل فيها أحد، لا تزال تُدهشنا كل مرة تقترب منا. نراها ونعود، نسمعها ونُكمل، نغلق على أنفسنا أبواب التغافل كي لا نُفكر. لكن الآية لا تترك مجالاً للهروب: “إنك ميت”، وإنهم ميتون. الكل، دون تمييز، دون تفاخر، دون استثناء. وهنا تذوب الألقاب، وتبقى الحقيقة مجردة: أن هذه الدنيا لم تكن وطناً، بل ممراً.

أما الآية التي تليها فهي ليست مشهداً روحياً فقط، بل محكمة سماوية لا يُنكرها شاهد، ولا يُعطلها نفوذ. “تختصمون”: أي أن كل ما لم يُفصل فيه هنا، سيتحول إلى دعوى هناك. كل صمتٍ صبر عليه مظلوم، كل تهمة بلا برهان، كل مال أُكل بلا حق، كل عرضٍ هُتك بالكلام، كل أذى أُلبس ثوب الغيرة أو النصح أو الرأي… سيكون له مشهد، وحساب، ونتيجة. وهذا يُربينا على أن لا ننخدع بمن انتصر مؤقتاً، أو بمن تجاوز الموقف بثقة. لأن الحكم ليس نهائياً، والدنيا ليست ساحة عدل كاملة. العدالة المطلقة لا تكون إلا عند من لا ينام، ولا يغفل، ولا يُحابي. وأيّ خصومة نغادر بها هذه الحياة… ستُبعث معنا، وتُعرض في ذلك اليوم.

تجسد تلك الآيتان على قيمة السكوت النبيل عن الخصومة، لا لأنك ضعيف، بل لأنك تؤمن أن الإنصاف الحقيقي لا يُؤخذ بالقوة، بل يُمنح من الله في وقته. كثيرون ماتوا مظلومين، لكنهم سيقفون في يومٍ يُنصف فيه حتى الطير من الطير، فكيف بالبشر؟ ومَن عاش في هذه الحياة يُراكم ظلمه للناس، دون رجوع، إنما يُحمّل روحه بملفاتٍ لا يسقطها إلا اعتذارٌ صادق أو عدالة السماء. ولذلك، فكل من ظنّ أن صمته ضعف، فليتذكّر أن الخصومة عند الله أصدق وأشد. وكل من خاف أن لا يُنصفه أحد، فليطمئن أن ربّه وعد بحساب لا يُهمل. وكل من سُلب حقه، فلينم وهو يعلم أن ذلك الحق محفوظ عند من قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَيَنْصُرَنَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، ومن وعد بالإنصاف يوم لا يُظلم فيه أحد.

لكن السياق لا يتوقف عند الخصومة فقط، بل يختم بهذه العبارة العظيمة: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 61]. أي أن من أراد النتيجة الحسنة، فعليه بالعمل الصالح، لا بالتمني. أن تُفكّر في الحساب، ثم لا تُهيئ له زاداً، هو غفلة لا تُغتفر. وأن تحيا كأنك لن تموت، ثم تُفاجأ بالمصير… هو جهلٌ لا يُعذر. فاعمل، وتذكّر دوماً: أن كل تفصيلة هنا… ستُعرض هناك. فلا تغرّك الأضواء، ولا تُبهرنك العناوين، ولا تُخيّلك الشهرة أو السلطة أن لك مكانة لا تُسأل عنها. كلنا راحلون، كلنا ميتون، وكلنا سنختصم ونُسأل ونُجازى. فلا تغرنك الحياة الدنيا… وإنا إليه راجعون.

 

الخلاصة:

إذا خاصمك الناس… فاصبر، وإن أخطأت… فاستغفر، وإن اغتنيت… فتواضع، فإن النهاية ثابتة، والخصومة قائمة، والحق لا يضيع عند من لا يغفل. و﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد