Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

النفس اللوّامة… بوابة التغيير تبدأ من مراجعة العلاقات

في داخل كل إنسان صوت خافت، لا يصرخ، لا يُحرج، لا يُدين بقسوة… بل يُربّت على القلب حين يزيغ، ويستوقف العقل حين يُبرّر ما لا يُبرَّر. هذا الصوت الذي تتجاهله أحياناً، ثم يعود إليك بلحظة صفاء، أو عند اختلاءك بنفسك، هو ما سمّاه الله: النفس اللوامة. وقد أقسم بها في قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]، لما لها من عظمة في حفظ التوازن الداخلي، ومحاسبة النفس دون تجريح، وتنبيه الإنسان كلما اقترب من طريق لا يُشبهه. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا الملمح التربوي الدقيق في علاقتنا بذواتنا بعنوان النفس اللوّامة… بوابة التغيير تبدأ من مراجعة العلاقات ، من خلال المقولة:


“النفس اللوامة… هي أول مرحلة ذاتية في تعديل السلوك نحو المسار الصحيح. وحتى تدرك ما تستحقه كبداية حقيقية نحو التغيير، لا بد أن تراجع جميع علاقاتك. فقد يكون من بينها من له أثر كبير في توجيهك مجدداً للسلوك السلبي نحو ذاتك وتقديرك لها وأنت لا تشعر.”

النفس اللوامة لا تُعاديك، بل تُنقذك. تُربّيك لا لتهينك، بل لتردّك إلى نسخة أنقى من نفسك. هي الضمير الصاحي حين تنام القلوب، وهي المرآة التي لا تخدعك بالصورة، بل تعكس كل خللٍ في داخلك دون تزييف. إنها أول صوتٍ ينبهك حين تبدأ في المبالغة في الصمت، أو التبرير، أو المجاملة على حساب نفسك. وفي اللحظة التي تصغي فيها لصوتها، تبدأ مرحلة الوعي الحقيقي.

لكن النفس اللوامة، رغم صفائها، قد تُضلل أحياناً إن لم تكن محاطة ببيئة تساعد على الصفاء. لأن العلاقات من حولك لها دور خفي في شكل هذا الصوت الداخلي. بعض العلاقات تُسكته، وبعضها تُشوّشه، وبعضها تُحوله إلى سوط جلد ذاتي. لذلك فإن أول خطوة لتصفية هذا الصوت وإعادة توجيهه نحو التوازن، هو أن تُراجع علاقاتك. أن تسأل نفسك: من يُشعل فيّ جلد الذات؟ من يُعيدني للسلوكيات القديمة التي تخلصت منها؟ من يجعلني أُشكّك في قيمي، في طيبتي، في رؤيتي لنفسي؟

قد تكون في علاقة ظاهرها الطمأنينة، لكنها تُربك ضميرك باستمرار. تُشعرك أنك مقصّر حتى وأنت تُجاهد، تُوحي لك بأنك مطالب دائماً بالمزيد حتى وأنت تُرهق نفسك، تُقيّد حريتك وأنت تبتسم، فتبدأ النفس اللوامة حينها لا بتعديل سلوكك، بل بإدانتك لأجل إرضاء غيرك. وهنا يتحوّل هذا الصوت من هادي ومربٍّ… إلى أداة ضغط غير مرئية. والسبب؟ علاقة واحدة، لم تنتبه لتأثيرها.

النفس اللوامة في أصلها نعمة، لكن العلاقات المسمومة تُحوّلها إلى نقمة. تجعل صوتها أكثر قسوة، أقل إنصافاً، لأنها تراك بعين الآخر الذي لا يُحسن رؤيتك. ولذا، فإن مراجعة العلاقات ليست خياراً… بل ضرورة. راجع من يُهمّشك وأنت تُعطي، من يُربكك وأنت تحاول، من يُشعرك بالدونية وأنت في الأصل شفيف ونقيّ. هؤلاء هم من يعيدونك إلى نسختك القديمة التي ظننت أنك تخلّصت منها، لا لأنهم أقوى، بل لأنك سمحت لهم بالدخول إلى منطقة التأثير في داخلك.

تقدير الذات لا ينبني فقط على الداخل، بل يتغذى من الخارج أيضاً. ومن يُحيطون بك إما يُحيون هذا التقدير، أو يُطفئونه دون أن تشعر. فكل كلمة استهزاء، أو تلميح بالنقص، أو إشارة إلى أن ما تفعله ليس كافياً… تُراكم فوق النفس اللوامة شعوراً بالذنب، وتُشوه صفاء صوتها. وكلما سمحت للخطأ أن يُعاد على لسان غيرك مراراً، فقدت الإحساس بقدرتك على التغيير. وهنا يكون الانفصال واجباً… لا خياراً عاطفياً. فلا يُمكن أن تمضي نحو التغيير الحقيقي، بينما هناك من يربطك بماضيك عند كل محاولة تحرر. لا يُمكن أن تتطور إن كان محيطك يستهلك طاقتك في إثبات أنك تغيّرت. التغيير يحتاج أرضاً جديدة، وهواءً نقياً، وأشخاصاً يُشجّعون لا يُشكّكون. وإن لم تجدهم… فكنهم لنفسك. كن أنت من يُوقظ النفس اللوامة لتُربّيك بحب، لا تُحاصرك بتأنيب.

كم من أناسٍ عادوا إلى سلوكياتهم المؤذية لأن أحدهم قال لهم: “لن تتغير”، “أنت دائماً هكذا”، “ما فائدة محاولاتك؟”. هذه الجُمل البسيطة تُغتال بها الإرادة، ويُخنق بها صوت النفس اللوامة. وحينها، تبدأ مرحلة الركود: حيث لا تتطور لأنك تخشى السخرية، ولا تُجرب لأنك تنتظر الإذن، ولا تُغادر العلاقات السامة لأنك اعتدت على جلد الذات بدل الرحيل. فصوت النفس اللوامة لا يُسمع جيداً وسط ضجيج العلاقات المُتعبة. لذلك، إن أردت أن تبدأ بصدق، فابدأ بالصمت. ابتعد قليلاً. خذ خطوة للخلف، لا لتندم، بل لتُراجع الصورة الكاملة. حينها ستسمع صوتاً بداخلك يقول: “لقد كنت جيداً، فقط لم تكن في المكان الصحيح.” “كنت تبذل، لكنهم لا يرون.” “كنت تمضي، لكن طريقك لم يكن ممهداً.” ومن هنا يبدأ التعافي.

 

الخلاصة:

النفس اللوامة ليست صوتاً يؤنبك… بل مرآة لتعيد تصحيح مسارك.
ومراجعة العلاقات ليست شكاً في الآخرين… بل مسؤولية تجاه نفسك.
إن أردت أن تتغير بحق، فابدأ من الداخل… ثم أحرص على أن تبقى في بيئة تساعدك على ذلك التغيير.

 


 

د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد