Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

حين تكون الأخلاق ميراثاً… يعيش أصحابها فينا بعد الرحيل

ليست كل الخسارات موجعة، فبعض من يغادروننا لا يخلّفون سوى الذكرى الطيبة، ولا يتركون إلا أثراً عطراً يبقى معنا ما حيينا. هؤلاء لا يُبكون لأنهم رحلوا، بل يُشكر الله لأنهم مرّوا في طريقنا ذات يوم. لم يملأوا المكان فقط، بل ملأوا القلب سكينة، والعقل حكمة، والروح اتساعاً. لم تكن لهم جلبة، لكن لوجودهم عمقاً. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” بعنوان حين تكون الأخلاق ميراثاً… يعيش أصحابها فينا بعد الرحيل هذا النوع من البشر الذين لا تُنسى ملامحهم الوجدانية من خلال المقولة:

 

“ما خسرت قلوباً كان لين الحديث منهجهم، وصفاء الروح طابعهم، ومكارم الأخلاق تُعرف بهم، طِبتم وطابت ذكرى من رباكم.”

حين تفقد إنساناً طيباً، لا تندم على أنك منحته مكاناً في قلبك، بل تندم على أن العالم لم يُكرمه كما يجب. تندم لأن الوجود في حضرة الطيبين لا يُشبه أي حضرة. لأنك معهم لا تحتاج إلى حذر، ولا إلى تمثيل، ولا إلى ترتيب كلماتك كي لا تُفهم خطأ. معهم تكون كما أنت، دون خوف من التأويل، دون حساب لما ستقول. قلوبهم تتسع، وتسامح، وتُقدّر، ثم ترحل بصمت وكأنها لم تفعل شيئاً… وهي في الحقيقة فعلت كل شيء.

الحديث معهم كان ليّناً لا لأنهم يجاملون، بل لأنهم نشأوا على أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن رفع الصوت لا يُقنع، وأن النقاش لا يحتاج إلى انتصار بل إلى رحمة. هؤلاء حين يتحدثون تشعر أن في أصواتهم طمأنينة، وأن في سكوتهم مواساة، وأن حضورهم ليس صخباً، بل ظلاً بارداً تستند إليه في لحظات التعب. هم الذين إذا رأوك صامتاً… ابتسموا لك، لا ليكسروا صمتك، بل ليخبروك أنهم فهموه.

وصفاء أرواحهم لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة حياة طويلة من المواقف التي اختاروا فيها أن لا ينتقموا، أن لا يُعاتبوا بصوت عالٍ، أن لا يُحرجوا أحداً بكلمة. هم من يُفسرون أعذارنا دون أن نُبرر. نقاؤهم ليس سذاجة، بل نضج. لأنهم يعرفون أن التعبير لا يحتاج جرحاً، وأن النصيحة لا تحتاج قسوة، وأن الكرامة لا تحتاج تكبّراً.

ومن أعظم ما يُقال فيهم: أن ذكراهم تدفعك لأن تكون أفضل. تذكّرهم لا يُوجع، بل يُربّي فيك شوقاً للأخلاق التي تركوها لك أمانة. تقول في نفسك: “سأكون مثلهم، لأن العالم يحتاج نُسخاً جديدة من الطيبين.” تتعلم منهم أن الأخلاق لا تُدرَّس، بل تُرى، وأن النُبل لا يُعلن، بل يُعاش. وإن فكرت فيهم، دعوت لمن أنشأهم، لأنك تعلم أن الجمال الذي فيهم هو ثمرة تربية صادقة، بيت كريم، روح رُبّيت على الإحسان.

وفي خضم هذا العالم الصاخب، وجود مثل هذه القلوب يُشبه نسمة باردة في يوم حارق. يُذكّرك أن الطيبة لم تنقرض، وأن الأخلاق لم تُستبدل، وأن العذوبة في الكلمات ما زالت ممكنة. ومعهم تدرك أن العطاء لا يحتاج مقابلاً، وأن الإحسان لا ينتظر شكراً، وأن المروءة لا تبحث عن ضوء. ولذا، حين يرحلون، لا تشعر أنهم ابتعدوا، بل كأن أرواحهم لا تزال تسير معك، تهمس لك، تُلهمك، وتدفعك لتكون كما يحبون لك أن تكون.

من الطيبين من رحلوا بأجسادهم، وبقيت مواقفهم كأنها تُعاد أمامك كلما احتجت مرآة لنفسك. ومنهم من لا يزال على قيد الحياة، لكنهم يعيشون في عزلة عن هذا الضجيج، يتركون أثرهم بصمت، لا يتصدرون المشهد، لكنهم يؤثرون أكثر من كل الأصوات المرتفعة. إذا رأيت أحدهم، فاعرف أنك أمام إنسان لا يُعادله أحد، لأن الطيبين لا يتكررون… ولا يُعوّضون.

وفي زمن باتت فيه العلاقات تُقاس بالمنفعة، فإن من تعرّفت عليهم دون مصلحة، وأحبوك بصدق، وكان حديثهم ليناً، وسلوكهم نقياً… هم الثروة. ليس المال، ولا المكانة، بل تلك القلوب التي تُعيد لك إيمانك بأن الدنيا لا تزال بخير. فاحفظهم، فإن بقوا معك… فازدد بهم قرباً، وإن رحلوا… فاحمل أثرهم في حديثك، في سلوكك، في طريقتك في الحضور.

ومن جمال العبارة: “طِبتم وطابت ذكرى من رباكم”، أنها تُحيلك فوراً إلى الأصل. إلى اليد التي شكّلت تلك القلوب، إلى الروح التي غرست فيهم أن يكونوا كما هم. لا أحد يولد طيباً بهذا النقاء… إلا إذا نشأ في بيئة رأت أن الجمال خُلق قبل أن يكون مظهراً. وهكذا، فإنك حين تدعو للطيبين، فأنت في الحقيقة تدعو لأولئك الذين شكّلوا هذا الجمال فيهم… دون أن يعرفوا أن زرعهم بلغ قلوباً لا يعرفونها.

 

 

الخلاصة:

الطيّبون لا يرحلون من ذاكرتك… لأنهم لم يمروا مرور الكرام. تركوا أثراً يشبه الندى، لا يُرى… لكنك تشعر به في كل مرة تضيق بها الدنيا. فإن رحلوا، فادعُ لهم، وإن بقوا، فاشكر الله على النعمة.
وقل من قلبك: “طِبتم وطابت ذكرى من رباكم.”

 


 

د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد