كم من علاقةٍ أحببناها، ووهبناها من أرواحنا أكثر مما ينبغي، فقط لأنها بدأت بصدق. كم من رابطة اجتهدنا في ترميمها كل مرة كسرت فيها، لأننا كنا نؤمن أن ما بدأ بنقاء، لا يجوز له أن ينتهي بتشوه. لكن الحقيقة المؤلمة التي يُدركها القلب متأخراً، هي أن بعض العلاقات مهما أحببتها، ومهما اجتهدت في وصلها، فإنها تتحوّل مع التكرار لا إلى قوة… بل إلى سلسلة من العُقد. كل انقطاع يترك أثراً، كل محاولة عودة تضيف عُقدة، وكل تمسك لا يُقابله وعي من الطرف الآخر، يتحول إلى استنزافٍ صامت. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه الحالة النفسية المؤلمة في العلاقات التي تُجهد الروح ولا تُثمر بعنوان السلام النفسي لا يسكن في العلاقات المرهقة ، من خلال المقولة :
“الوصال الذي ينقطع مراراً وتكراراً، وفي كل مرة تجتهد وتعيد وصله للاحتفاظ به قدر الإمكان… عليك أن تدرك أنه لن يعود كما كان، ولكنه يتحول إلى مجموعة عقد!! هكذا العلاقات المرهقة، فلا تجهد نفسك وتهدر عمرك في إصلاحها، لأن ما سيُرى في النهاية… هي العقد، وليس العناء الذي تكبدته في محاولات التمسك بها.”
العلاقات التي تُعيد بناءها أكثر مما تعيشها، ليست علاقة… بل مشروع ترميم متواصل. كل مرة تُفكّر في الانسحاب، تتذكر البدايات الجميلة، فتمنحها فرصة. وكل مرة تمنحها فرصة، تمنح معها جزءاً من طاقتك، من عافيتك النفسية، من هدوءك. والنتيجة؟ لا عودة حقيقية، بل تغطية مؤقتة على شروخٍ عميقة. لا يتغيّر السلوك، بل تتغيّر فقط طريقتك في تحمّله. ثم مع الوقت، تتآكل أعصابك، ويُصبح الداخل مليئاً بعُقد لم تكن فيك… لكنها تكونت لأنك منحت أكثر مما يجب، لمن؟ لم يكن مؤهلاً لاستيعابك.
الوصال حين لا يأتي من الطرفين، يُشبه سحب حجرٍ ثقيل لأعلى المنحدر. مرهق، متعب، وخطر. وكلما تساءلت لماذا تُتعب نفسك؟ تكون الإجابة جاهزة: “لأنني لا أريد أن أخسر.” لكنك لا تدرك أنك تخسر في كل مرة تصمت على الأذى، وتُبرر الإهمال، وتُجامل خوفاً من الفقد. أن تخسر العلاقة دفعة واحدة، أهون من أن تخسر نفسك فيها قطعةً بعد قطعة. لأن العلاقات المرهقة لا تأخذك إلى النضج، بل تُرغمك على التنازل… وتُقنعك بأن الصمت فضيلة حتى حين يؤلمك ذلك.
من أكبر الأوهام التي نحملها أن العلاقات تُقاس بمدة التمسك. لكن الحقيقة أن المدة لا تهم إن كانت ملوّثة بالتجاهل، والتكرار، والخذلان. فلا يهم أنك حاولت خمس مرات، إن كانت كل مرة تزيدك ضعفاً، وتزيد الآخر صلفاً. الحب الحقيقي لا يُرهق، لا يختفي ثم يعود، لا يجعلك تتساءل كل ليلة: “هل أنا المُذنب؟”، “هل كنت كافياً؟”. الحب الحقيقي لا يُستنزف، بل يُرمم، ولا يُربك، بل يُطمئن.
أقسى ما تفعله العلاقات المرهقة أنها تُعيد تشكيل هويتك الداخلية. تُحوّلك من إنسان واثق إلى كثير القلق، من شخص واضح إلى كثير التردد، من مُبادر إلى مُتراجع. تبدأ علاقتك معهم بشغف، ثم تنتهي بأن تُصبح شخصاً يشك في كلامه، ويحسب ردود أفعاله، ويُخفي حزنه كي لا يُتّهم بالمبالغة. وحين تصل إلى هذه المرحلة، فأنت لست في علاقة… بل في مساحة تهدمك بهدوء.
التكرار ليس دليل حرص، بل أحياناً دليل غياب النضج. من يعود إليك كل مرة بعد أن يختفي، لا يعني أنه نادم، بل يعني أنه اعتاد أن يجدك حيث تركك. أن يعود دون وعي، دون نضج، دون تغيير، ويُطالبك بالاحتواء نفسه، والصبر ذاته، وكأنك آلة تُبرمج على الاحتمال. لكن النفس ليست قابلة للتمدد دون ضرر، والقلب ليس مرناً بلا نهاية. وحتى أطيب القلوب… إن تكرّر عليها التكسير، تُصبح عاجزة عن منح نفسها لمن كسرها أكثر من مرة.
السلام النفسي لا يعني أن تكون بلا علاقات، بل أن تُحسن اختيار من يستحق بقاءك. أن تفهم أن التوازن لا يعني التماثل في العطاء، بل العدالة في التقدير. أن تتوقف عن مطاردة من يُفترض أن يتمسك بك هو، لا العكس. أن تُدرك أن العلاقة لا تُقاس بعدد المحاولات، بل بجودة اللحظات، بصدق الحضور، وبالطمأنينة التي يمنحها الطرف الآخر حين لا يُجبرك على الشك فيه في كل موقف.
قد تكون نيتك في الإصلاح صافية، لكن النية وحدها لا تُصلح علاقة. النية تحتاج وعياً، تحتاج إرادة من الطرفين، تحتاج اتفاقاً ضمنياً على أن لا يُعاد الماضي في كل فصل جديد. أما أن تُحاول وحدك، وتحمل كل المرات وحدك، وتُغطي على الأخطاء وحدك، فاعلم أن ما تفعله ليس حباً، بل إنقاذاً مستمراً لعلاقة لا تريد أن تنقذ نفسها. وهنا يكون القرار الأصعب: أن تترك، لا لأنك لا تحب، بل لأنك لم تعُد قادراً على حمل العبء وحدك.
قد يقول أحدهم: “لكن ماذا عن الذكريات؟ عن البداية؟ عن المحبة؟” والإجابة الصادقة: الذكريات لا تُغني عن الحاضر. والمشاعر لا تُبرر الانتهاك المتكرر لراحتك. والمحبة حين تُصبح أداة للابتزاز العاطفي، فهي لم تعُد محبة. حين يتكرر الوصال المنقطع، ويزداد عدد العُقد، فإن ما يُرى في النهاية ليس حباً نقياً، بل علاقة مشوهة مليئة بالمرارات. والناس لا يرون كم تعبت، بل يرون أنك بقيت رغم التعب… فيظنون أن ما يحدث يُناسبك.
-
الخلاصة:
بعض العلاقات لا تُمنح فيها “فرصة جديدة”، بل تُمنح “راحة جديدة” بعد أن تغادرها. لا تبقَ في علاقة تُحوّلك إلى عقدة داخلية تسير على قدمين. لأنك مهما تعبت في إصلاحها… فالناس لا يرون إلا ما عُلّق في خيوطها من عُقد.
أما قلبك، فهو وحده من يشعر كم مرة انكسر.

