Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

حين يكون التجاهل أقوى من الرد… والسكوت طريق الإنصاف الأعلى

الظلم وجعٌ خفي، لا يُرى لكنه يُثقل الروح، ولا يُسمع لكنه يُربك الأفكار. هو ذلك الإحساس بأنك صادق ولم يُصدقك أحد، مظلوم ولم يُنصفك قريب، متألم لكنك مطالب بالتماسك. وكل من ذاق طعم الظلم يعلم أنه لا يقتصر على الفعل، بل يمتد إلى أثره المتراكم في القلب: الحيرة، الغضب، الانكسار الصامت. لكنه أيضاً لا يُدرك أن أعظم رد على الظلم ليس في الجدال، ولا في رفع الصوت، بل في الثبات الصامت الذي يُحيّر الظالم، واليقين الداخلي الذي يطمئنك بأن الحق لا يُضيع، حتى وإن تأخر نصره. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المعنى في تأملٍ خاص بعنوان حين يكون التجاهل أقوى من الرد… والسكوت طريق الإنصاف الأعلى، عبر المقولة:


“إذا وقع عليك ظلم وضاق به صدرك بفعل من ظلمك… فلا تجادله، ولكن تأكد أن تجاهلك قاتله، ولا تشتت عقلك فيما يفعله، واكتفِ بأن هناك رب لا تخفى عليه خافية.”

الطبيعة البشرية تدفعك للرد، لتفسير نفسك، للدفاع عن موقفك. تظن أن الجدال سيُقنع الطرف الآخر، أو أن رفع صوتك سيعيد إليك حقك. لكن الحقيقة أن الظالم لا يستمع ليس لأنه لا يسمع، بل لأنه لا يريد أن يُنصف. وكلما اجتهدت في الجدال معه، زدت في منحه قيمة لا يستحقها، وكررت على مسامعه حجة لا تؤثر فيه. الجدال مع الظالم يُشبه من يزرع في أرض قاحلة: مهما اجتهدت، لن تُثمر. لأن من سلبك حقك عن عمد، لن يُعيده لك عبر نقاش، بل سيزداد صلفاً وتبريراً.

حين تتجاهل من ظلمك، فأنت لا تهرب، بل تختار سلاحاً آخر. سلاح الهدوء الذي لا يُجيد الظالم التعامل معه. لأن الظالم يتغذى على التفاعل، يفرح حين تُهاجمه، يرتبك حين تصمت. الصمت هنا ليس خنوعاً، بل إغلاقٌ لباب لا يُجدي. تجاهلك له يشبه النفي المعنوي، وكأنك تُخبره بأنك لن تمنحه فرصة أن يتغذى على وجعك أو انفعالك. إنه موتٌ بطيء لطموحه في الانتصار الظاهري، وبداية عزلة روحية لا ينجو منها إلا من راجع نفسه، وندم حقاً.

توزيع عقلك على أفعال الظالم يستهلكك، يُنهكك، يُفقدك صفاءك. فلا تُتابع ما يقول، ولا تُحلل ما يخطط له، ولا تُرهق قلبك في تمني اعتراف لا يأتي. كثير من الناس يبقون أسرى للظالمين حتى بعد رحيلهم، فقط لأنهم يُعيدون المشهد يومياً في ذاكرتهم. يتذكرون الكلمات، التصرفات، النظرات… ويغفلون عن أرواحهم التي تُستهلك في الإعادة. وكأنهم يعيشون في سجن غير مرئي، بابه مفتوح، لكنهم لا يغادرونه لأنهم لم يُسامحوا، ولم يُسكتوا الداخل. فاغلق هذا الباب، لا بإنكار الألم، بل بالتسليم لله، وبالتركيز على ما تبقى لك من طريق لا يزال يستحق أن تسلكه.

في كل ظلم يقع عليك، هناك رسالة. في أنك كنت بحاجة إلى يقين لا يأتي إلا من السماء، وإلى توكل لا تُعطله التفسيرات. فمن أُغلقت دونه أبواب البشر، فُتح له باب الرب. ومن كُسرت ثقته في الناس، أعاد بناءها على أساس أوثق: الإيمان بأن الله لا يُضيع أحداً. وأنه، حتى حين تظن أن لا أحد يراك، فإن الله يعلم. يعلم ألمك، يعلم سكونك، يعلم كم مرة كتمت غيظك، وكم مرة تجاهلت هجوماً فقط لأنك لا تُريد أن تُشبِه من ظلمك.

ولعل أجمل ما في هذا الصمت، أنه يُبنى على طمأنينة. لا تُجادله لأنه لا يستحق، ولا تُطارده لأنه سيسقط وحده، ولا تُفكر فيه لأنه أصغر من أن يُشغلك. وكلما صمتّ أكثر، كلما عَلَت نفسك أكثر. لأن الكبار لا يتصارعون مع من سقطوا في وحل الظلم، بل يمرّون من فوقهم بكرامة. وكلما ازددت صمتاً، ازداد ظلك وقاراً، وصار حديث الناس عنك شهادة لا تحتاج أن تطلبها.

وقد يتأخر الإنصاف، لكن الله لا يُخلف وعده. كل من ظُلم وأعرض، وتوكل، وأحسن، رُفع مقامه، وإن لم يعلم. فكم من حق عاد بعد سنوات؟ وكم من ظالم سقط في لحظة لم يتوقعها؟ وكم من صابر بُورك له في عمره، وعمله، وذريته، لا لشيء سوى لأنه عفا وهو قادر، وصمت وهو قادر، وتجاهل وهو يُدرك التفاصيل. وهذه هي مراتب الوعي التي لا يبلغها إلا من وثق بالله، وارتقى بنفسه عن صغائر البشر.

السكوت لا يعني قبول الظلم، بل رفض الدخول في فوضى الردّ عليه. لأنك حين تُجادله، تُشركه في مقامك، وتُساويه بك، وتعطيه حق الدفاع في محكمة ليست عادلة من الأساس. أما حين تصمت، فأنت ترفع مقامك، وتمنح نفسك الحق الكامل أن تُنصف من فوق، لا من وسط المعركة. والصمت الذي تبنيه على وعي، أقوى من ألف مناظرة. والتجاهل الذي يصدر منك عن اختيار، هو عزلة راقية تحفظ لك نفسك، وتبني لك احتراماً قد لا تُدرك أثره الآن، لكنه سيعود إليك في الوقت الأجمل.

لا تتبع من ظلمك، بل تقدّمه في طريق الحياة. تجاوزه بسلوكك، بتطورك، بنجاحك، بدعائك. وكلما استقام دربك، سقط أثره. لأن من جحدك اليوم، سيتعب غداً في الوصول إليك، لا لتُبرر، بل لأنه أدرك أنه خسرك… وخسر نفسه حين اختارك خصماً في غير معركة. فدع الأيام تفعل ما تشاء، وارضَ بالله حكَماً، فهو أعدل ممن حكم، وألطف ممن ظننت أنه سينصفك ذات يوم.

 

الخلاصة:

لا تجادل من ظلمك، لأنك لا تحتاج تبريرًا لنقاءك. اجعل صمتك موقفاً، وتجاهلك رداً، وتوكلك سلاحاً. فهناك رب لا تخفى عليه خافية، يُمهل لكنه لا يُهمل، ويعلم كم صبرت… وسيُنصفك.

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد