كثيراً ما يربط الناس العطاء بالكرم، ويظنّون أن المنح بلا مقابل هو أعلى درجات النبل، لكن الحياة بتجاربها المتكررة تكشف لنا جانباً آخر لا يقل أهمية: أن بعض العطاء غير المحسوب لا يصنع معروفاً، بل يصنع وحشاً. وأنّ المنح المتكرر دون حدود قد يُنبت في النفس البشرية نوعاً من التجرؤ لا التقدير، ومن الاعتياد لا الامتنان. العطاء الذي لا يُقدَّر يُحرّف نية المُعطي، ويُفسد قلب المتلقي. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المعنى العميق بعنوان حين يُغريك العطاء… وتُفاجئك الخيبة حين كتبت:
“احذر أن تعطي بلا طلب، وأن تمنح بلا مقابل لمن إذا اكتفى منك استغنى واختفى، فهناك أشخاص إن مُنحت بلا طلب جحدت، وإن مُنحت بلا مقابل طغت…”
ليس كل من يستقبل عطاءك يُدرك قيمته، وليس كل من تمنحه وقتك أو جهدك أو دعمك يراه نعمة. فالبعض حين تعطيه قبل أن يسأل، يظن أن ما تقدّمه واجب، لا معروف، ويبدأ في تحويل العلاقة إلى ميزان يُقيّمك فيه بناءً على استمرار عطائك، لا على قيمتك. ويصل الأمر إلى مرحلة مؤلمة حين تكتشف أن كل ما قدّمته، من صبر وتفهّم، من دعم وتنازل، قُرئ على أنه ضعف، لا نبل. حينها تبدأ خيبة الداخل في التكوّن: خيبة أنك أسأت التقدير، لا لأنك أعطيت، بل لأنك أعطيت من لا يعرف كيف يتلقّى.
العطاء بلا طلب يبدو أحياناً شكلاً من أشكال المحبة النقيّة، لكنه في حالات كثيرة يتحوّل إلى تشويه في ميزان العلاقة. لأنه يُلغِي لحظة التقدير. حين يُمنح الإنسان قبل أن يُظهِر حاجته، يُفقده ذلك القدرة على الاستشعار. وتكرار هذا النمط يجعل الطرف الآخر يشعر أن ما يحصل عليه ليس امتيازاً، بل حقاً مكتسباً، وأن المتاح سيبقى دوماً متاحاً، مهما كانت نواياه أو سلوكه. وحين يشعر أحدهم أنك تعطي دون سؤال، دون حاجة إلى التقدير، فإنه لا يتورّع عن الاستغناء عنك متى اكتفى… لأن العلاقة لم تُبنَ على تبادل، بل على استهلاك.
والمؤلم أن من طبعهم الجحود لا يظهرون من البداية. بل يكونون لطيفين في استقبال العطاء، جيدين في رد الجميل في أول الطريق، ثم تبدأ ملامحهم الحقيقية في الظهور عند أول موقف لا يحصلون فيه على ما يريدون. تظهر ملامح الطغيان، لا عبر الصوت المرتفع، بل من خلال البرود، والإهمال، والتجاهل. وفي لحظة ما، ينسحبون من حياتك كأنهم لم يأخذوا شيئاً. وهنا تصطدم الصدمة القاسية: ليس فقط أنهم غادروا، بل غادروا دون حتى وداع، دون شكر، دون أثر من الامتنان.
العطاء غير المشروط جميل، لكنه يحتاج إلى وعي لا إلى عاطفة فقط. الوعي بأن تُفرّق بين من يستحق ومن يستهلك، بين من يقدّر ومن يطلب المزيد دون توقف، بين من يرى فيك إنساناً، ومن يراك منبعاً للمساعدة والمشاعر في أي وقت. أنت حين تمنح، لا تمنح فقط شيئاً مادياً أو زمنياً، بل تمنح طاقتك، واهتمامك، وجزءاً من روحك، وهذا لا يجب أن يُهدَر في من لا يراه. فإن كنتَ ممن يحبون العطاء، فتعلّم أن تُعطي حين يُطلب، لا حين يُتوقع، وأن تمنح وفق قيمة العلاقة، لا شراهة الطلب.
في العلاقات الشخصية، كثير من القلوب الطيبة تعتقد أن السبق في العطاء يُقوّي الرابطة، لكنه أحياناً يُفقد الطرف الآخر الرغبة في الاستثمار. فما دام كل شيء يصل إليه بسهولة، فما الحاجة لبذل أي جهد؟ وما دام الاهتمام لا يتوقف، فما الحاجة لردّه؟ وهكذا يُخلق “خلل التوازن”: طرف يُعطي دون توقف، وطرف يستهلك دون وعي. ومع الوقت، يتحول المُعطي إلى مجرد وسيلة راحة، لا شريكاً في التقدير. وعندما يتعب ويقرر أن يتوقف، يُتهم بالتحوّل، بالبرود، بالجفاء… وكأنه لم يكن يبذل كل شيء بلا مقابل.
في المحيط العملي أيضاً، يتكرر هذا النمط: موظف يبذل فوق ما يُطلب، يساند زملاءه، يتحمل المهام الصعبة، ثم يُفاجأ بأنه أول من يتم استبعاده، أو تجاهله عند التقييم، أو نسيانه حين تُوزع الفرص. لأن ما يقدّمه لم يُطلب، ولم يُصنّف كشيء خاص، بل أصبح مألوفاً. والمألوف مع الوقت لا يُقدّر. ومن هنا، فإن إدارة العطاء في أي بيئة يجب أن تكون قائمة على “الوعي بالميزان”: أعطِ حين يكون لذلك قيمة واضحة، لا حين يُفترض منك أن تُكمل ما لا يُكمله غيرك دون شكر.
الألم في العطاء ليس في أنك أعطيت، بل في أنك لم تجد في الطرف الآخر عمقاً يحفظ جميلك. والوجع لا يكمن في المنح، بل في الغياب المفاجئ بعد المنح، في الجحود بعد الصبر، في التملّص بعد الاحتياج. وهذا لا يعني أن نكفّ عن الكرم، أو أن نحول قلوبنا إلى حسابات باردة، بل أن نكون أكثر وعياً بـ “لمَن نُعطي؟”، و”كيف نُعطي؟”، و”متى نتوقف؟”. لأن الحدود ليست عكس الحب، بل هي إطار للحفاظ على كرامتك أثناء الحب.
وأصدق نصيحة تُقال هنا: أن لا تُبادِر بالعطاء لمن لم يُظهِر حاجته بوضوح، وأن لا تمنح أكثر ممنحه لك احتراماً، أو وقتاً، أو مكانة. فالحياة قائمة على التوازن، وإذا اختلّت، سيختلّ كل شيء من بعدها. فاحفظ نفسك من الإنهاك، واحفظ عطائك من أن يُهدَر في من لا يُقدّره، وازرع في علاقاتك احتراماً متبادلاً، لا استنزافاً خفياً. ولتعلم أن من يعتاد أن يأخذ بلا مقابل… سيختفي عند أول لحظة يشعر فيها بأنه لن يحصل على المزيد.
الخلاصة:
لا تُغريك الطيبة أن تُهدر ذاتك، ولا يُغريك الكرم أن تُفرّط في كرامتك. العطاء شرف، لكنه يُصبح عبئاً حين يُمنح بلا وعي. حافظ على نفسك، وحدودك، وعطائك… واجعل لكل شيء وقتاً ومقداراً ومستحقاً.

