Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

الهدوء لا يعني الاستسلام… بل لحظة ما قبل الزئير

في الحياة من يبدو ساكناً، هادئاً، غير معني بالصراع، غير مُحب للتدخل، شخصٌ يراقب الأحداث من مسافة، ويتجنب الاصطدام مهما كانت درجة الاستفزاز. أولئك الذين لا يُعلّقون كثيراً، لا يردّون مباشرة، ولا يدخلون في المهاترات، كثيراً ما يُخطئ الناس في تقييمهم، ويظنون أن هذا الصمت ضعف، أو أن هذا التجاهل تسليم. الحقيقة أنهم الأقوى، لكنهم لا يُظهرون قوتهم إلا حين يُجبرون على ذلك. هم من يحتوون داخلهم شيئاً من الكبرياء الصامت، وشيئاً من الصبر الذي إن انفجر… قلب المعادلة كلها. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا البعد الإنساني العميق في سلوك الصامتين بعنوان الهدوء لا يعني الاستسلام… بل لحظة ما قبل الزئير ، من خلال هذه العبارة:


“إياك أن يستفز بهلوانك أسداً مقيّداً، فلربما تتمنى ومضة حياة إذا ما تحرر ذلك الأسد.”

الأسد لا يزأر عبثاً، ولا يتحرك كلما سمع صوتاً، ولا ينقضّ من أجل لفت الأنظار. هو يعرف مقامه، يعرف قوته، ويختار توقيت ظهوره، لا بدافع الحاجة، بل بدافع الموقف. أما البهلوان، فهو النقيض تماماً: صوتٌ عالٍ، حركة مستمرة، طاقة مشتتة، سلوك مُستفز يظن أن الظهور وحده كافٍ ليُثبت القوة. لكنه في حقيقته يستعرض لأن في داخله خواء، ويهاجم لأنه يخشى أن يُهاجَم، ويتحرك ليُنسينا كم هو هشّ إن سكن. والخطر لا يكون في البهلوان نفسه، بل في لحظة يغفل فيها أن من أمامه لا يرد ليس لأنه لا يستطيع، بل لأنه لا يرى قيمة للرد. هذه اللحظة، حين يستمر البهلوان في استعراضه، وقد تُحرر الأسد، وحينها تنتهي كل مساحة للعبث، ويبدأ فصل جديد لا يتقن فيه الأقوياء سوى لغة الجسد. 

كل شخص هادئ في ظاهر سلوكه يحمل داخله مجموعة طبقات من التجربة والانضباط والألم والإدراك. هو لا يتجاهل لأن الموقف لا يعنيه، بل لأنه قرر ألا يستهلك نفسه في عبث لا ينتج عنه شيء. لكن حين يُستفز هذا الهدوء عمداً، ويتكرر الاستفزاز مرة تلو الأخرى، تتحرر طبقات الصبر واحدة تلو الأخرى. والصبر حين ينفد، لا يخرج في شكل انفعال عشوائي، بل يخرج في صورة قرار حاسم، حاد، نهائي، لا رجعة فيه. وفي هذه اللحظة، يتحول الصامت الذي ظنه البعض خاضعاً إلى مخلوق لا يهادن، ولا يُبرر، ولا يشرح، بل يُنفذ ما رأى أنه آن أوان فعله.

البعض يخطئ حين يُفسر الاتزان على أنه خنوع، ويظن أن الحِلم ضعف، وأن كظم الغيظ عجز عن الرد. فيدفعه غروره إلى اختبار الآخر مرة تلو مرة، متناسياً أن القشة الأخيرة لا تكون ضخمة لتكسر، بل تكفي أن تأتي في توقيت خطأ لتُسقط كل البناء. وهذا بالضبط ما يفعله البهلوان حين يستهزئ بالصامتين. هو يظن أنهم لن يردوا، ولن ينتصروا، ولن يخرجوا عن صمتهم. لكنه ينسى أن هناك قرارات حين تصدر، لا تُنذر، ولا تُمهل، بل تُنفذ بهدوء تام، كهدوء العاصفة قبل أن تقتلع كل شيء في طريقها.

السلوك البهلواني في العلاقات الإنسانية كثير: من يستفزك باستمرار، من يختبر صبرك دون توقف، من يسخر من هدوئك، من يتعمد إحراجك، أو تجاهلك، أو تحييدك علناً وهو يعلم أن ما يفعله يُقلل منك عمداً. هؤلاء لا يدركون أنهم لا يُحطّمون فيك إلا ظنهم فيك، وأنك ما كنت هادئاً لضعف، بل لأنك كنت تنتظر منهم أن ينضجوا، لا أن تنفجر. وحين لا ينضجون، فإنك تقرر أن تُوقف المهزلة، لكنك لا تصرخ، ولا تُعاتب، بل تخرج من المشهد كله… بوجه لا يعود، ونبرة لا تشرح، وسلوك لا يلتفت.

الأسد المقيّد هو ذاك الإنسان الذي عاش سنوات من ضبط النفس، من كتم الغضب، من التجاوز المتكرر، من التعالي على التفاهات، من الإعراض عن الردود الصغيرة. هو من مارس الصبر كشكل من أشكال القوة الداخلية، لكنه حين يُستفز بطريقة لا تليق، ويُوضع في موضع السخرية أو التحقير أو الاستهزاء المتكرر، فإنه لا ينفجر انفعالياً، بل يُفك قيوده بهدوء ويبدأ الردّ… لا بالكلام، بل بالموقف. موقف قد يكون كلمة واحدة تقلب الطاولة، أو انسحاباً يُسقط الأقنعة، أو حسماً لا يُمنح فيه الطرف الآخر فرصة التبرير.

وهذا النوع من الردّ هو ما يجعل البهلوان يتحول فجأة من مهاجم إلى ضحية، لأنه لم يتخيل أن هذا الإنسان الصامت يمكن أن يتحول إلى قرار لا يُوقف، وأن كرامته ليست مادة للمساومة، ولا صمته خضوعاً أبدياً. بل يُدرك متأخراً أنه كان يلعب أمام من كان يُراقب بحكمة، لا بعجز، وأن تلك الومضة التي أخرجت الأسد من قيوده لم تكن انفعالاً، بل نفاذاً للصبر الذي استُهلك ظلما.

في البيئة المهنية، تجد هذا النمط كثيراً: موظف هادئ لا يرد على الانتقادات، يحتمل التجاوزات، يُنجز بصمت، يُقصى عن بعض الفرص… ثم يُظن أنه لن يُغادر أبداً. وفي لحظة واحدة، يقدم استقالته، فيُربك الإدارة كلها. وفي العلاقات الأسرية، الصامت الذي يتحمل، ويحتوي، ثم يُفاجئ الطرف الآخر بأنه لم يعد قادراً على الاستمرار. وحينها يبدأ الآخر في الندم، لكنه يندم متأخراً. فالحكمة لا تمنع الحسم، والكرامة لا تقبل التأجيل بلا حدود، والصبر حين يُستنزف… لا يعلن خروجه، بل يُفاجئ الكل به.

من أجمل ما يُمكن أن تتعلمه في علاقاتك هو ألا تستفز من لا يرد، لأن صمته ليس ضعفاً، بل موقف. وكلما بالغت في اختباره، قرّبت لحظة تحوله من متفرّج إلى فاعل، ومن متسامح إلى مُنذِر، ومن صامت إلى مُقاطع. لذا، خذ الحذر من أولئك الذين لا يتحدثون كثيراً، لأنهم ببساطة يعرفون متى يُنذرون… ومتى يُنفذون.

الخلاصة:

هناك فرق بين من لا يستطيع الرد، ومن اختار ألا يفعل. لا تستهين بمن يملك زمام نفسه، فربما حين يتحرر، تُصبح أنت أول من يتمنى لو أنه لم يبدأ تلك اللعبة. لا تستفز الصامتين… ففي داخلهم أسود، وإن خرجت، لن تعود.

 


د. سلطان جميل عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد