في لحظة تأمل عميقة فقد تناولت ضمن مدونة “أولي النهى” مقالة بعنوان حينما تصبح نظرة الآخرين حاجزاً في طريق نجاحك والتي تتجسد قي مقولة :
“اهتمامك وانشغالك بما يعتقده الآخرون عنك، هو شتات لتحقيق أهدافك.”
ليست هذه العبارة مجرد تحذير من تأثير الرأي العام، بل هي كشف دقيق لواحدة من أوسع الشراك النفسية التي يقع فيها الطامحون؛ حيث يُصبح المرء منشغلاً بتجميل صورته في أعين الآخرين أكثر من بنائها في داخله، وتتحول أهدافه إلى مرآة لا خريطة. إن الركض خلف القبول الاجتماعي المستمر يخلق وهماً قاتلاً: أن قيمتك تُصاغ بعيون الناس لا بإرادتك، وأنك لا تنجح إلا إذا صفقوا لك، وهذا الوهم هو أكثر ما يبدد تركيزك ويفتت خطواتك نحو الإنجاز.
في عالم يتغذى على الانطباع، ويتفاعل مع الصورة أكثر من الفكرة، يصعب على كثير من الناس أن يميزوا بين “الذات” الحقيقية و”الصورة” المرسومة عنها. ومع تعاظم الحضور الرقمي، أصبحنا نُصمم ذواتنا بوعي شديد: كيف نبدو؟ كيف يرانا الآخرون؟ كيف نظهر؟ وهذا الانشغال المَرَضي بنظرة الناس لا يقف عند المظهر، بل يمتد إلى الاختيارات والقرارات وحتى الأحلام. فبدلاً من أن يسأل الإنسان نفسه: “ماذا أُريد؟”، يسأل: “ماذا سيقول الناس إن فعلت؟” وهنا، تضيع البوصلة، ويبدأ الانشطار النفسي بين ما نرغب فيه فعلاً وما نُجبر أنفسنا عليه فقط لأن الآخرين قد لا يُعجبهم ما نحن عليه.
من الطبيعي أن نهتم بما يراه الناس، فهذا جزء من تكويننا الاجتماعي. لكن غير الطبيعي أن يصبح هذا الاهتمام هو المُحرك الأول، وأن نُقيّم أنفسنا من خلال أعين من لا يعرفون عُمقنا ولا حجم معاركنا. فالناس لا يرون سوى القشرة، ونحن فقط من نعرف الرواية الكاملة. لذا، فإن أي حكم خارجي يبقى “رأياً” لا “حقيقة”. وكلما أخذت هذا الرأي على أنه تقييم شامل لك، ازداد انشغالك بتعديله على حساب تطوير ذاتك. إنك تنفق طاقتك في تزيين الانطباع، بدلاً من استثمارها في بناء الإنجاز.
الشتات الذي يُحدثه الانشغال برأي الآخرين ليس فقط ذهنياً، بل عملياً أيضاً. فالتردد في اتخاذ القرار، والبطء في التنفيذ، والقلق من رد الفعل، كلها أعراض نفسية يُولّدها هذا النوع من الانشغال. ومتى ما غرق الإنسان في هذه الدوامة، صار أسيراً لمشهد غير موجود سوى في ذهنه. وكلما حاول أن يُرضي الجميع، فقد القدرة على إرضاء نفسه. والنتيجة؟ مشروع مُعلّق، حلم مؤجل، وخطوة مكسورة، كل ذلك لأن أحدهم “قد لا يُعجبه ما أفعل”. وهل هناك أثقل من أن تعيش لتُقنع من لا يهتم؟!
في بيئات العمل مثلاً، كثير من الموظفين لا يبدعون خشية الحُكم عليهم من قِبل زملائهم. يخشون من التميز لأن التميز يُخيف. يخشون من الاجتهاد لأن الاجتهاد قد يُحرج الآخرين. ويصبح الفرد حبيساً في منطقة رمادية: لا هو منجز، ولا هو مرتاح. وهذه المنطقة تحديداً هي مقبرة الطموح. لأن الطموح لا يعيش في حياد، بل يحتاج وضوح قرار وقوة إرادة. وعندما يربط الإنسان سعيه برضا غيره، فإنه يُفكك طاقته على شكل قلق وتردد، فيموت الطموح اختناقاً داخل روحه.
الرغبة في القبول الاجتماعي قد تكون أداة بناء إذا وُظّفت بعقل، لكنها تُصبح معول هدم إذا أصبحت محوراً لكل فكرة. ففي كل مرة تُخطط فيها لشيء، ويكون الدافع الأكبر هو كيف سيراك الآخرون، تأكد أنك تُؤجل ذاتك لأجل ظلالٍ لا تملك مصباحاً. لن يَذكر أحد كل محاولاتك للتجمُّل، ولن يُنصفك أحد حين تخفق، ولن يمنحك أحدٌ وقتاً يُضيع فيه من أجل أن “يُحسن الظن بك”. إذاً، لماذا نمنحهم نحن ذلك الحق المطلق في أن يكونوا حُكّاماً على مشوارنا؟
من المؤلم أن تُراجع نفسك كل ليلة بناءً على ماذا قيل عنك، لا على ماذا حققت. أن تنظر في المرآة فترى قلقاً لا وجهاً، وتسأل عقلك: “هل أنا كافٍ؟” لا لأنك لم تنجز، بل لأن أحدهم لم يُعجب بمنجزك. وتتحول بذلك من صانع للهدف إلى مُنفّذ لأوهام الجماهير. من قائد لمسار إلى متردد يسأل الناس عن الاتجاه كلما تحرك. وهذا هو الشتات النفسي في أوضح صوره: أن تسير ولا تدري هل تمشي نحو حلمك أم نحو إعجابهم.
هُناك خلاص حقيقي من هذا الاضطراب، لكنه يحتاج إلى وعي وممارسة. أولها أن تُعيد تعريف ذاتك لنفسك: من أنت؟ ماذا تُريد؟ ما الذي يُرضيك داخلياً حتى لو لم يُصفق له أحد؟ وأن تُسلّم بأن كل خطوة لن تُرضي الجميع، لكنك لست ملزماً بذلك أصلاً. وبدل أن تُنفق وقتك في تخيّل تعليقات الناس، استثمره في بناء ما يُجبرهم على احترامك لاحقاً، لا مجاملتك لحظياً. فالأثر الدائم لا يُبنى على التوقعات، بل على الحقيقة. والحقيقة أنك لست مشروعاً للعامة، بل كياناً ناضجاً له صوت، وله حق أن يخطئ، ويُجرب، ويُنجز… دون إذن من أحد.
الشخص الذي يشغله رأي الناس لا يُفلح في بناء هوية، لأنه باستمرار يغيّر شكله بناءً على الضوء المُسلّط عليه. فهو يتحدث بطريقة أمام كل مجموعة، ويخفي جانباً منه أمام كل بيئة، ويُراكم قلقاً هائلاً فقط لئلا يُخالف الصورة المتوقعة منه. وبهذا الشكل، يكون قد ضاع بين “من هو” و”ما يُتوقع أن يكون”، وأضاع عمره في إقناع جمهور لا يراه بوضوح، ولن يراه كاملاً يوماً ما. هذا النوع من الشتات هو أسوأ أنواع التعب: أن تتعب في اتجاه لا يُقربك من ذاتك ولا من أهدافك.
من يريد أن ينجز حقاً، لا بد أن يُصاب أحياناً برفض، أو استهجان، أو استغراب. لكن عليه أن يُدرك أن النجاح لا يعني الإعجاب الكامل من الجميع، بل الاتساق مع الذات حتى النهاية. فالإنسان الذي ينجز يعرف أن بعض الطرق تمشيها وحيداً، وأن بعض المراحل يكون فيها صمته أبلغ من شرح نواياه. وأنه كلما أوضح للناس ماذا يفعل، زاد تعلقه برأيهم في فعله. لذلك، فإن أول قرار في طريق النجاح الحقيقي هو أن تطفيء ضجيج الخارج، وتُصغي لصوت داخلي واحد فقط: صوتك.
الخلاصة:
اهتمامك بما يعتقده الآخرون عنك قد يبدو وعياً اجتماعياً، لكنه إذا تجاوز حدوده، يُصبح سجناً. النجاح لا ينتظر التصفيق، والطموح لا يُقاس بعدد الإعجابات. عش كما يُرضيك داخلياً، وامضِ كما يتطلب هدفك، فبين صوت الناس وصوت قلبك… هناك دائماً من يستحق أن يُصغى إليه أكثر.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى

