Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

في كل جيل تتغير الأساليب، وتتبدل المفاهيم، لكن جوهر التربية يظل ثابتًا لا يتغير: بناء إنسانٍ متزن، يعرف حدوده، ويحمل قيمه في قلبه قبل سلوكه. غير أن أكثر ما أربك التربية في زماننا ليس قلة الحب، بل سوء فهمه. فقد ظن كثير من الآباء أن القرب المطلق من الأبناء، وتحويل العلاقة إلى صداقة مفتوحة بلا قيود، هو الطريق الأقصر للاحتواء، دون أن يدركوا أن بعض القرب إن تجاوز حدّه، أضاع الهيبة، وأربك المرجعية، وأفرغ الأبوة من معناها العميق، وقد تطرقت في هذه المقالة في مدونة أولي النهى عنوانا بجسد ذلك ” أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ ”  كثيرًا ما نعود إلى هذه النقطة المفصلية: أن التربية ليست فعل عاطفة فقط، بل وعيٌ طويل النفس، وصبرٌ على بناء لا تظهر ثماره سريعًا. فالأب ليس رفيق طريقٍ يُجامل، ولا صديقًا تُلغى معه الحدود، بل هو بوصلة اتجاه، وركيزة وعي، يُحتذى به لا يُساوى. وحين تختلط الأدوار، يختلط معها معنى الاحترام، وتضيع من الأب هيبته، ومن الأبناء طمأنينتهم.

الأبوة في أصلها مسؤولية قبل أن تكون علاقة. مسؤولية توجيه، وتقويم، وحماية، حتى وإن بدا ذلك ثقيلًا على القلب أحيانًا. فالصديق يُساير، ويُجامَل، ويُتغاضى معه، أما الأب فيُرجع إليه، ويُحتكم عنده، وتُوزن الأفعال بميزانه. حين يتحول الأب إلى صديق دائم، يفقد الأبناء تلك النقطة المرجعية التي يحتاجونها، لا ليخافوا، بل ليطمئنوا أن هناك من يضبط الإيقاع حين يختل.

كثير من الآباء الطيبين لم يفشلوا لأنهم قساة، بل لأنهم بالغوا في اللين. ظنوا أن الحنان وحده يكفي، وأن الحب سيصنع تلقائيًا الاحترام، لكن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالحب بلا حدود يُربك، والمودّة بلا حزم تُضعف، والحنان إذا خلا من الانضباط تحوّل – مع الوقت – إلى ضعفٍ مؤلم، لا يظهر أثره إلا حين يكبر الأبناء، ويصعب إصلاح ما أُهمل في البدايات.

إن الطفل لا يولد وهو يعرف الحدود، بل يتعلمها من خلال الثبات، لا من خلال التبرير المستمر. يحتاج إلى أبٍ يشعره أن هناك خطًا لا يُتجاوز، ليس لأن الأب قاسٍ، بل لأنه مسؤول. فالأمان النفسي لا يصنعه القرب وحده، بل يصنعه الوضوح. وحين تغيب الحدود، يضيع المعنى، ويصبح كل شيء قابلًا للنقاش، حتى القيم الكبرى.

في لحظات كثيرة، يختبر الأبناء آباءهم لا عن وعي، بل بفطرة البحث عن الثبات. يرفعون سقف التجاوز ليروا: هل ما زال الأب هو الأب؟ أم أصبح مجرد صديقٍ يُساير؟ فإن وجدوا التراجع المتكرر، والضحك في مواضع الحزم، أدركوا – دون أن يصرحوا – أن المرجعية ضعفت، وأن الكلمة لم تعد وزنًا، بل رأيًا يمكن تجاوزه. وهنا تبدأ الخسارة الصامتة، لا في علاقة اليوم، بل في مستقبل القيم.

الأبوة ليست قربًا دائمًا، بل حضورٌ واعٍ وحدودٌ واضحة. حضور يشعر فيه الابن أن أباه موجود، يسمع، يفهم، يحتوي، لكن لا يتنازل عن الأساس. فالحب لا يعني التراخي، والمودة لا تُلغي الانضباط. وحين تختل هذه المعادلة، لا تذبل القيم فجأة، بل تضعف تدريجيًا، حتى نفاجأ بجيلٍ لا يعرف لماذا يتمرد، ولا كيف يعود.

فالأمر هنا واضح، لكنه مقرون بالصبر، والحزم مشفوع بالثبات، لا بالعنف ولا بالإهمال. لم يقل: اتركهم بدعوى الحب، ولم يقل: اقهرهم باسم السلطة، بل قال: أَمُر، واصطبر. وهذا هو لبّ التربية الواعية

ولعل من أعظم ما يرشدنا إلى هذا التوازن ما جاء في التوجيه القرآني الدقيق، حين قال الله تعالى:


﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ طه: 132

فالأمر هنا واضح، لكنه مقرون بالصبر، والحزم مشفوع بالثبات، لا بالعنف ولا بالإهمال. لم يقل: اتركهم بدعوى الحب، ولم يقل: اقهرهم باسم السلطة، بل قال: أَمُر، واصطبر. وهذا هو لبّ التربية الواعية.

الحزم الحقيقي لا يعني رفع الصوت، ولا فرض السيطرة، بل يعني الثبات على القيم، وعدم التراجع عند أول مقاومة. أما القسوة، فهي نقيض الحكمة، لأنها تكسر أكثر مما تُصلح. وكما أن المحبة بلا انضباط ندمٌ مؤجّل، فإن الحزم بلا رحمة كسرٌ مبكّر. وبين الندم والكسر، تضيع الطمأنينة إن لم يُحسن الأب ضبط الميزان.

كثير من الآباء لا يدركون قيمة الهيبة إلا بعد أن تضيع. يظنون أن الهيبة تعني الخوف، بينما هي في حقيقتها احترام نابع من وضوح الدور. فالابن الذي يحترم أباه لا يخافه، بل يثق به، ويشعر أن هناك سقفًا يحميه، لا قيدًا يخنقه. وحين يغيب هذا الشعور، يبحث الابن عن بدائل: صديق، شارع، شاشة، أو فكرة مشوشة تعوض غياب المرجعية.

الأب الذي يحفظ هيبته بحب، لا يحتاج إلى القسوة، لأن كلمته مسموعة قبل أن تُقال. وجوده وحده يكفي لتعديل السلوك، لا لأنه مخيف، بل لأنه ثابت. وهذا الثبات لا يُصنع في يوم، بل يُبنى عبر سنوات من الاتساق بين القول والفعل، وبين الوعد والوفاء.

في التربية، المسافة ليست جفاءً، بل ميزان حكمة. ليست كل لحظة قربًا، ولا كل صمت إهمالًا. أحيانًا، يكون التراجع خطوة إلى الوراء ضرورة ليبقى الأب في موقعه الصحيح. فالأب الذي يُساوي نفسه بابنه في كل شيء، يفقد قدرة التوجيه، ويحمّل الابن ما لا يحتمل من سلطة القرار قبل أوانه.

وحين نرى آباءً يشتكون من جفاء أبنائهم، أو قلة احترامهم، يجدر بنا أن نسأل: متى تخلّينا عن دورنا بدعوى اللطف؟ ومتى استبدلنا الحزم بالمزاح، والوضوح بالمجاملة؟ فالتربية لا تُقاس بنجاح العلاقة في اللحظة، بل بسلامة النتائج بعد سنوات.

إن الأبوة الناجحة لا تبحث عن تصفيق الأبناء، بل عن سلامهم الداخلي حين يكبرون. تبحث عن ذلك الصوت الخافت في داخلهم الذي يقول: “أبي كان واضحًا، وكان محبًا، وكان ثابتًا.” وهذا الصوت هو ما يحميهم لاحقًا من الانجراف، حتى في غياب الأب.

في النهاية، الأب الذي يوازن بين الحنان والحزم، لا يخسر أبناءه، بل يكسب احترامهم طويل الأمد. قد يختلفون معه في مرحلة، وقد يعاتبونه في أخرى، لكنهم يعودون إليه مرجعًا حين تتكاثر الأصوات من حولهم. وحين يغيب، يبقى أثره حيًا، لأن القيم التي زرعها لم تكن خوفًا، بل وعيًا.

وهكذا، لا تكون الأبوة صداقة عابرة، بل علاقة بناء، ولا يكون الحب تبريرًا دائمًا، بل التزامًا صامتًا بأن نكون لهم سكنًا يطمئنهم، وسقفًا يؤدبهم، وبوصلةً تعيدهم إلى الطريق كلما مالوا. ففي هذا التوازن وحده، تُبنى الأجيال، ويظلّ الاحترام مزهرًا… حتى في الغياب.


 

د. سلطان عقيل 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد