Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

‎ ‎الخذلان حين يوجع… واليقين حين يداوي

هناك ذكريات تُضحكنا حين نمرّ بها في الذاكرة، لكنها تُبكينا حين نتأمل وجوه من غابوا عنها أو تغيّروا فيها. فالذاكرة لا تحتفظ بالأحداث فقط، بل تحتفظ بالمشاعر التي صاحبتها، وحين تتبدل القلوب، يصبح استدعاء الماضي فعلًا موجعًا لا لأن الذكرى سيئة، بل لأن من كانوا فيها لم يبقى لهم أثرًا. وفي مدونة أولي النهى كثيرًا ما نتوقف عند هذه المساحات الإنسانية الدقيقة، حيث يلتقي الألم بالإيمان، والخذلان باليقين، لأن الإنسان لا يُبتلى بالأحداث وحدها، بل يُبتلى بالناس الذين كانوا يومًا أقرب ما يكونون إلى قلبه.

حين تضحك الذكرى… ويبكي معنا القلب

الذكريات في ذاتها بريئة، لكنها تصبح موجعة حين نكتشف أن الضحكة التي كانت صادقة يومًا، صارت شاهدًا على سذاجتنا أو حسن ظنّنا الزائد. نضحك لأن اللحظة كانت جميلة، ونبكي لأن الحقيقة التي كُشفت لاحقًا كانت قاسية. وهنا يبدأ الصراع الداخلي: هل نلوم أنفسنا لأننا وثقنا؟ أم نحزن لأن القلوب تغيّرت؟

أقسى الألم: كذب القريب

ليس كل كذب مؤلمًا، لكن الكذب حين يأتي من قريب يترك جرحًا لا يُرى. لأن القريب لا يجرحك بالفعل فقط، بل يهز صورتك عن نفسك، وعن اختياراتك، وعن قدرتك على الفهم. والافتراء من القريب أشد، لأنه يُشعرك بالعجز أمام رواية تُنسج عنك وأنت تعلم حقيقتها.

الصمت الذي لا يعني الاستسلام

في مثل هذه المواقف، يختار بعض الناس الصمت. لا لأنهم عاجزون عن الرد، بل لأنهم أيقنوا أن الدفاع المستميت قد يجرّهم إلى ما لا يليق بهم. فالصمت هنا ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن الله يرى، وأن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى صراخ.

الطمأنينة حين يكون الله شاهدًا

حين تمضي ساكنًا، مطمئنًا بأن الله يعلم ما في صدرك، يتغير كل شيء. لا تعود بحاجة لتبرير نفسك، ولا لإقناع من أساء الظن بك. لأنك أدركت أن أعظم شهادة هي شهادة الله، وأن من يعلم السر وأخفى، لن يترك الحق ضائعًا.

لماذا لا يموت الحق؟

الحق قد يُؤجَّل ظهوره، لكنه لا يُلغى. قد يُحاصر بالصمت، لكنه لا يُمحى. وربما يكون تأخيره رحمة، لأن ظهوره في الوقت الخطأ قد يزيد الأذى بدل أن يرفعه. والله سبحانه لا يغفل عن الظلم، وإن بدا للإنسان أن الظالم قد انتصر مؤقتًا.

كيف نحمي قلوبنا بعد الخذلان؟

الحماية الحقيقية ليست في إغلاق القلب، بل في تهذيبه. أن نتعلم كيف نثق دون أن نُسلم أنفسنا، وكيف نُحسن الظن دون أن نُلغِي الحكمة. فالخذلان لا يعني أن نتحول إلى أشخاص قساة، بل أن نصبح أكثر وعيًا، وأكثر قربًا من الله.

السكينة أم الانتقام؟

أقسى ما يرهق القلب هو الرغبة في استعادة الحق بأي ثمن. لكن السكينة التي يمنحها التسليم لله أعظم من أي انتصار ظاهري. حين تترك الأمر لله، يتحول الألم إلى درس، والخذلان إلى رفعة داخلية لا يراها إلا من ذاقها.

الخلاصة:

الذكريات ليست هي ما تؤلمنا فحسب، بل انكسار الصورة التي رسمناها لمن أحببنا. ومع ذلك، يبقى الإيمان هو الملاذ الأخير، حين نوقن أن الله يعلم، وأن الحق لا يموت، وأن كل صمتٍ اخترناه لله، سيعود يومًا سلامًا يملأ القلب. فالطمأنينة الحقيقية ليست في تبرئة أنفسنا أمام الناس، بل في أن نكون صادقين أمام الله.


 

د. سلطان عقيل 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد