Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

وهمُ الإصلاح: لماذا يظن الغافل أنه على صواب بينما هو في عمق الخطأ؟

سلطت هذه المقولة محاورها للإجابة عن : وهمُ الإصلاح: لماذا يظن الغافل أنه على صواب بينما هو في عمق الخطأ؟ ، ففي حياة الإنسان محطات يتداخل فيها الظاهر بالباطن، ويختلط فيها بريق السلوك الخارجي برائحة النيات الكامنة في العمق. ولأن البشر مجبولون على حب الثناء، فقد يقع الكثير في شَركٍ خطير: أن يظنّ المرء ذاته مصلحًا وهو في الحقيقة سبب الإفساد، وأن يتزين بظاهرٍ جذاب بينما يتجاهل الشقوق الداخلية التي تنزف أخلاقًا متهالكة. هذا الالتباس لا يولد من فراغ، بل يبدأ من الغفلة؛ تلك الغشاوة التي تُلبس الباطل ثوب الحق، وتمنح صاحبها يقينًا زائفًا بأنه على طريقٍ مستقيم، وقد تناولت في مدونة أولي النهى هذا الطرح في مواضيع أخرى، كما سطرت هذه المقالة الآتي:

الغفلة تُلبس الباطلَ ثوبَ الحق، وتجرّ صاحبها إلى ظنٍّ كاذب بأنه يُصلح وهو في الحقيقة يُفسد. ولهذا حذّر الله تعالى من حال مَن أضاع جهده وظنّه، فقال سبحانه:

﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 104].

فاعلم أن المظهر لا يطهّر صاحبه، بل تُزكّيه نيّته، وتهذّبه أخلاقه، وتُظهر معدنه المكنون.

فطهارة الوعاء مقدّمة على إصلاح ما حوله.

واستقم على الخُلُق؛ فإن من خسر نقاءه الداخلي خسر حقيقة وجوده،

مهما كثر مادحوه وكبرت صورته في أعين الناس.

 

الغفلة ليست تجاهلًا فحسب… إنها حالة يطمس فيها الإنسان بصره وبصيرته معًا. يرى الخطأ صوابًا، ويرى الإساءة إصلاحًا، ويظن أن الآخرين هم من أساؤوا الظن بينما هو ضلّ الطريق. ولأنها خطرة إلى هذا الحد، جاء التحذير الإلهي واضحًا في قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 104].

هذه الآية ليست وصفًا لقوم بعيدين عنّا، بل مرآة تُعرّينا إن نحن أمعنا النظر فيها. فكم من إنسان يظن أنه قائمٌ على الحق، لكنه في الحقيقة لا يُصلح إلا صورته أمام الناس.

يعيش بعض الناس أسرى للمظهر؛ يظنون أن الأناقة الظاهرة بديلاً عن الأخلاق الباطنة، وأن حسن السلوك الاجتماعي يغني عن نقاء القلب. فيرتدون ثيابًا من “الصورة الجميلة” أمام الآخرين، بينما يخفون في دواخلهم نياتٍ مركبة، ومشاعر متضاربة، وطباعًا شوهتها المقارنات والحقد والأنانية.

إن الله سبحانه لم يجعل قيمة الإنسان في زينته أو هندامه أو طبقات مظهره؛ بل في صدق نيته وحسن خلقه. وهذا ما يتجلى في الحديث الشريف:

إن الله سبحانه لم يجعل قيمة الإنسان في زينته أو هندامه أو طبقات مظهره؛ بل في صدق نيته وحسن خلقه. وهذا ما يتجلى في الحديث الشريف: عَنْ أبي هُريْرة عَبْدِ الرَّحْمن بْنِ صخْرٍ  قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ رواه مسلم.

المظهر لا يطهّر صاحبه، ولا يمنحه قداسة، ولا يجعل خطأه صوابًا. القيمة الحقيقية تنبع من الداخل… من وعاء الإنسان الروحي الذي يحمل صدقه ونقاءه وتواضعه وإخلاصه.

قد يظن الإنسان أنه محسنٌ حين يكثر من العطاء، أو حين يرفع صوته بالنصيحة، أو حين يتدخل في شؤون الآخرين تحت شعار “الإصلاح”. لكن الغفلة تجعل الدوافع مختلطة:
– فيُعطي لا ابتغاء مرضاة الله، بل طلبًا للثناء.
– وينصح لا رغبة في الهداية، بل لإثبات تفوقه الأخلاقي.
– ويتكلم لا حرصًا على الخير، بل رغبة في الظهور.

وتلك أخطر درجات الغفلة… حين تتحول الأعمال الصالحة إلى مظاهر جوفاء لا وزن لها. ولهذا قال تعالى في الآية التي تسبق الآية التي شملتها المقولة أعلاه:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ [الكهف: 103]،


ثم وصفهم بأن سعْيهم ضلّ، وظنّهم بالخير كان وهماً.

من طبيعة البشر أنهم يحبون إصلاح العالم، لكنهم ينشغلون عن إصلاح أنفسهم. يريد الواحد منهم أن يُصلح بيته، ومجتمعه، وعمله، بل ويُصلح الناس… لكنه لم يلتفت إلى قلبه الذي قد امتلأ بما يستوجب التنقية.

ولذلك كانت البداية دومًا من الداخل:


طهارة الوعاء قبل صلاح المحتوى.


لا معنى أن تعلّم الناس الصدق وأنت تلوّن الحقائق.
لا معنى أن تدعو للتواضع وأنت تعيش أسر الكبرياء.
ولا معنى أن تتحدث عن الخير وأنت تحمل نيةً تشوبها المصالح.

أصل الإنسان قلبه… وقلبه إن صلح، استقامت بقية الجوارح.

كيف ينجو الإنسان من الغفلة؟

  1. مراجعة النية باستمرار

كل عمل، صغيرًا كان أو كبيرًا، يحتاج إلى وقفة: لمن أفعله؟
هل ابتغي به وجه الله أم إرضاء الناس؟

  1. التواضع للحق وعدم المكابرة

أخطر ما في الغفلة أن يتجه الإنسان نحو الخطأ ثم يرفض الاعتراف به. الكبرياء إذا اجتمع مع الغفلة، حوّل الإنسان إلى نسخة لا ترى إلا نفسها.

  1. الاستماع للنصيحة من أهل الصدق

القلب إذا عاش وحده دون من يصوّب مساره، ضل بسهولة. والنصيحة الصادقة نور يبدد الغشاوة.

  1. المداومة على الذكر والتفكر

الغفلة تطفئ القلب، والذكر يعيده إلى الحياة.
قال تعالى:
﴿ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205].

  1. إصلاح الأخلاق قبل إصلاح السلوك

السلوك الخارجي انعكاس لما في الداخل… ومن أراد صورة جميلة حقًا، فليجمّل قلبه.

الإنسان قد يخسر مالًا، أو منصبًا، أو علاقة، أو مكانة بين الناس… وهذه كلها خسائر قابلة للتعويض. أما إذا خسر نقاءه الداخلي، فسيفقد جوهر وجوده. لن تعوّضه المظاهر، ولن تنفعه المجاملات، ولن تغنيه الألقاب.
لأن النقاء هو الأساس، وهو القيمة التي يرفع الله بها الإنسان ولو صغرت مكانته بين الناس.

الغفلة لا تقتلك دفعة واحدة… إنها تُميت فيك بصيرتك تدريجيًا، حتى ترى الحق باطلًا والباطل حقًا. والمظاهر لا تنقذك، ولا تمنحك قيمة حقيقية. إنما ينجيك قلب نظيف، وخلق راسخ، وصدقٌ بينك وبين الله.

ابدأ بنفسك قبل كل شيء… طهّر وعاءك، أصلح قلبك، نقِّ نيتك، ثم امضِ لتُصلح ما حولك. فمن خسر نقاءه الداخلي، خسر كل شيء ولو كثُر مادحوه.


 

د. سلطان عقيل 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد