نعترف جميعًا أن الخذلان شعور مرير، يُثقِل القلب كما لو أنه حجرٌ جاثم على الروح. وما يزيد مرارته أننا نُدرك في لحظة الصفاء أننا كنا شركاء في صناعته، نحن الذين منحنا ثقتنا لمن لا يستحقها، فتحولت أيدينا التي أمدت بالعطاء إلى قيود تقيّدنا بالحسرة. في مدونة أولي النهى تطرقت الى هذا الأمر بعنوان الثقة بين نعيم الإحسان وجحيم الخذلان، وقد تناولت مدونة أولي النهى مواضيع متفرقة للخذلان بعنوان أقسى ما في الجحود… أنه يأتي ممن وُهب لهم كل شيء وفي عنوان آخر في لحظة التخطي… تُولد نسختك الأقوى.
قد يبدو الأمر في ظاهره أن الآخر هو من خان أو جرح، لكن التأمل العميق يكشف أن الجرح الأول بدأ من قرارنا نحن: قرار أن نفتح أبوابنا دون حذر، أن نُعطي بلا ميزان، أن نُصدّق بلا اختبار. نحن الذين رسمنا ملامح الطريق، ووضعنا في يد الآخر مفاتيح الدخول إلى مساحتنا الخاصة، فلمّا عبث بها أو أهملها، وجدنا أنفسنا نتألم من نتائج كنا نحن من هيأ لها ذلك المناخ.
الخذلان ليس قدرًا… بل نتيجة
حين نمنح الثقة دون وعي، لا بد أن نحمل استعدادًا لتقبّل الخذلان. ليس لأن الحياة قاسية دائمًا، بل لأنها عادلة في قوانينها. من يزرع في أرض صخرية، لا ينتظر سنابل، ومن يسكب ماءه في وعاء مثقوب، لا يتوقع أن يبقى فيه شيء.
الخذلان إذن ليس قدرًا مكتوبًا بلا سبب، بل هو نتيجة منطقية لعلاقة لم تُبنَ على وعي. ولو عدنا بذاكرتنا قليلًا، سنكتشف أن إشارات التحذير كانت موجودة، لكننا تجاهلناها. رأينا التردد في الأفعال، والتناقض في الأقوال، والخذلان الصغير يتكرر… ومع ذلك اخترنا أن نُغلق أعيننا ونتمسك بالوهم الجميل: “ربما يتغير، ربما يقصد الخير، ربما أنا أبالغ”.
وحين وقع الخذلان الكبير، لم يكن مفاجئًا إلا بقدر ما كنا نُكابر عن رؤية مقدماته.
الثقة… مسؤولية لا هدية مجانية
الثقة ليست هدية نلقيها في أيدي الآخرين كما نلقي زهرة على قارعة الطريق. الثقة مسؤولية كبرى، تحمل في جوفها معنى الأمانة. حين نمنحها، فكأننا نقول للآخر: “ها أنا أضع قلبي بين يديك، فإما أن تصونه أو تكسره”.
ولهذا، لا بد أن نتعلم أن الثقة لا تُمنح مجانًا، ولا تُوزّع على الجميع. بل تُعطى لمن أثبتوا بالفعل – قبل القول – أنهم أهلٌ لها. من وقفوا في لحظات المحنة، ومن صدقوا في المواقف التي لا تحتاج إلى تبرير. من حفظوا الغيب كما يحفظون الحضور.
إن مردود الثقة إما أن يكون نعيم الإحسان حين تصادف قلوبًا نقيّة، أو أن يتحول إلى جحيم الخذلان حين نضعها في غير موضعها. وهنا يكمن دورنا في أن نُحسن الاختيار، لا أن نلوم الحياة على نتائج قراراتنا.
بين جنة الإحسان وجحيم الخذلان
ما أجمل أن تجد من يُقابلك بالصدق كما تقابله، ومن يردّ عطاياك بالوفاء، ومن يحتضن قلبك كما هو دون حسابات. هنا تكون الثقة طريقًا إلى نعيم الإحسان. في هذا النعيم، لا نشعر أننا نخاف على ما نعطيه، بل نزداد طمأنينة كلما زاد البذل.
لكن الوجه الآخر قاتم: أن تكتشف أن من وضعت قلبك بين يديه كان يراه مجرد أداة، أو وسيلة، أو لحظة تسلية. أن تجد نفسك تُعطي بيدين مفتوحتين، بينما الآخر يُخفي وراء ظهره سكين الغياب أو كلمة جارحة أو موقف مُحبط. هنا يكون الخذلان أقرب إلى النار التي تلتهم بقايا ثقتك في الناس.
ومع ذلك، فإن التجربة – مهما كانت قاسية – ليست نهاية الطريق، بل هي بداية وعي جديد.
الخذلان معلم… وإن كان قاسيًا
الخذلان يُعلّمنا أن نُعيد ترتيب مقاعد الثقة في حياتنا. أن نفرّق بين من يستحق أن يجلس في الصفوف الأمامية من قلوبنا، ومن لا مكان له إلا بعيدًا عن مساحتنا الداخلية.
يُعلّمنا أن نفهم أن العلاقات ليست كلها أبدية، وأن بعض الأشخاص عابرون مهما حاولنا تثبيتهم. وأن الأمان ليس في عدد من حولنا، بل في صدق القليل منهم.
يُعلّمنا أيضًا أن الثقة يجب أن تكون مقترنة بالوعي، وأن الكرم العاطفي إن لم يُضبط بالحدود، يتحول إلى ضعف. وأن القلب الذي يحب دون بصيرة، لا بد أن يتعرض للجروح.
نحن السبب… وهذه ليست إدانة
قد يبدو القول إننا السبب في خذلاننا قاسيًا، لكنه ليس جلدًا للذات بقدر ما هو دعوة للوعي. الاعتراف بالمسؤولية يمنحنا القوة، لأنه يفتح أمامنا باب التعلم والتصحيح.
حين نقول “أنا السبب”، فإننا لا نُعفي الآخر من خطئه، لكننا نُعفي أنفسنا من تكرار الدور ذاته مستقبلًا. نحن لا نستطيع أن نتحكم في قلوب الناس ولا في اختياراتهم، لكننا نستطيع أن نتحكم فيمن نسمح له بالاقتراب من قلوبنا.
بهذا المعنى، يصبح الخذلان تجربة نضج، لا مجرد جرح. يصبح علامة على أننا كبرنا بما يكفي لندرك أن الثقة لا تُعطى لكل عابر، وأن القلوب الغالية لا تُفتح إلا بمفاتيح الصدق.
نحو ثقة أكثر وعيًا
الحياة ليست خالية من الخذلان، لكننا نستطيع أن نقلل من مرارته إذا تعلمنا كيف نمنح الثقة. إذا أدركنا أن الأمان لا يُقاس بالكلمات الجميلة، بل بالمواقف الثابتة. وأن الحب الحقيقي ليس وعودًا تُقال، بل أفعال تُرى.
فلنمنح ثقتنا بحذر، ولنجعلها امتيازًا لا عادة. وحين نُعطيها لمن يستحق، سنكتشف أن مردودها يمكن أن يكون جنة من الإحسان، تبعث في القلب سكينة، وتُعيد للروح يقينها بالإنسانية. أما حين نخطئ فنمنحها لمن لا يستحق، فلنعتبر الخذلان جرس إنذار: بأن نُعيد ترتيب دوائرنا، ونُراجع اختياراتنا، ونُدرّب قلوبنا على أن تُعطي بحكمة.
فالخذلان، على قسوته، قد يكون أعظم دروس الحياة: أن نُدرك أن قلوبنا ثمينة، وأن من يستحقها حقًا لن يجعلها تشعر يومًا بمرارة النسيان.


2 Responses
ماشاء الله تبارك الرحمن وفقكم الله وسدد خطاكم فضيلة الدكتور المحترم
اللهم آمين الجميع ، وبارك الله فيكم وحفظكم