في عالمٍ لا يُمهل الطيبين، ولا يُنصف النوايا النقية في وقتها، يبدو الحفاظ على النية البيضاء ضربًا من الشجاعة، وربما من العناد الجميل. بين نفاقٍ يُكافأ، وخبثٍ يُسوَّق له ببراعة، تمضي مستقيمًا، لأن قلبك لا يعرف إلا الصدق. ولعلّك تتساءل أحيانًا: هل في هذا العالم من يرى؟ من ينصف؟ ومن يردّ الغيبة حين لا تملك الحيلة؟ هناك، في عُمق هذا التساؤل، تولد الحقيقة التي لا تُنسى: لا يخذل الله أصحاب النوايا النقية. في مدونة “أولي النهى” أكتبها بيقين، لأنني أرى كيف يأتي الإمداد الإلهي في اللحظة التي لا نتوقعها، كإجابة صامتة على صدقك، وكردّ سماوي على مكرٍ أرضي لم تتقن الرد عليه… لكن الله أجاده عنك. فسطرت المقولة:
يحميك نقاء نيتك المرفوعة إلى السماء من كل خبثٍ يُحاك لك على الأرض؛
فربّك أعدل من أن يُضيع صفاءك،
وأرحم من أن يجعلك فريسة لمكرٍ دبّره من لا يخشاه.
أن تعيش بنيّة نقية اليوم، هو أن تعيش ضد التيار. النية البيضاء لم تعُد عملة شائعة، بل عملة نادرة، لا يتعامل بها إلا من عرف الله حق المعرفة. فالنية لا تُرى، لكنها تخلق أثرًا، لا تُسمع، لكنها ترفع صوت صاحبها في السماء، وتُكتب له الحماية حتى لو لم يدرك من أين جاءته.
نوايانا هي مراسلاتنا الصامتة مع الله، نرفعها حين نعجز عن التبرير، ونُخبئها حين يُساء فهمنا، ونُراهن عليها حين يخذلنا المنطق. وما بين نية مرفوعة، ومكر يُنسج في الخفاء، تدور معارك لا تُذاع، وتُكتب انتصارات لا تُعلن، لكن نتائجها تُمجد كل صاحب قلبٍ صافٍ.
في نهاية كل حكاية، ستعلم أن النية كانت هي المحرّك الحقيقي للنتائج. وأنك حين صفّيت نيتك، نقّيت طريقك، وجعلت الله وكيلك، تولّى عنك ما لا تُحسن دفعه، ولا تُجيد الرد عليه. فالنقاء، إذًا، ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات القوة الخفية. هو سلاح لا يُرى، يُبطل سحر الماكرين، ويكسر دائرة الخبث دون أن يُخدش الطرف الآخر.
في حياة يغلب فيها الظاهر على الباطن، يحكم الناس على الظاهر، لكن السماء تُجازي على الباطن. قد تُظلَم في مجلس، وتُغتاب في غياب، ويُساء فهمك أمام من تحب، وتُفسّر طيبتك على أنها ضعف. ومع ذلك، تبقى ساكنًا، لا تردُّ الأذى بأذى، بل ترفع قلبك لله، وتُحسن ظنك بأن ما رفعته لن يُرد. فالله، وهو أعدل الحاكمين، لا يضيع نيتك؛ بل يُحوّلها إلى سياج حماية، وسُلَّم ارتقاء، وسكينة تنزل على قلبك حين يضطرب كل شيء من حولك.
لقد نجا كثيرون بنواياهم، لا بحِيلهم. وكُشف كيدٌ عن البعض، لا لأنهم فطِنوا له، بل لأن الله ردّه عنهم جزاء صفاء صدورهم. فلا أحد يستطيع أن يُفسد عليك حياتك ما دامت نيتك مرفوعة إلى السماء. فالله لا يُسلّط المكر على من لم يَمكر، ولا يجعل الصادق فريسةً للكاذب، وإن بدا الأمر مؤقتًا.
ولذلك، عش بنقاء، لا لتكسب الناس، بل لتحظى بعناية لا يراها سواك. ولا تُراهن على الإنصاف الأرضي، بل على عدل السماء الذي لا يُخطئ.


2 Responses
جزاك الله خيرا القلب محل نظر الله والقلب السليم سبب النجاة برحمة الله
الله آمين الجميع وبارك الله فيكم وحفظكم