في زحام هذه الحياة، حيث الأصوات تتعالى والقيم تتآكل، ثمة نفوس لا تزال تحفظ عهدها القديم مع الطيبين، تتربى على الاتزان وتُسقى من نبع الضمير حتى تغدو ماؤها عذبًا لا يُكدره صخب ولا يُفسده الظلم. التربية الحقيقية لا تُلقّن، بل تُعاش. لا تُفرض على السلوك فرضًا، بل تُغرس في الروح غرسًا، فتنمو مع السنوات حتى تصبح شجرة ظليلة من الرأفة، والكرامة، والعدل. وحين يتربى الإنسان على طِيب الأصل وحُسن الخلق وصَون المعروف، فإن قلبه لا يهدأ إن شعر أنه كان سببًا في انكسار أو غُصة أو وجع قلب أحدهم. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” المقولة التالية بعنوان: التربية الحقيقية تمنعك من أن تكون وجعًا في حياة أحدهم ، والتي تُجسّد هذا المعنى العميق وتضعه في إطار وجدانيّ مؤثر:
“لن تجد في هذه الحياة إنسانًا سويّ الفكر، نقيّ الروح،
نشأ في بيتٍ أركانه طِيب الأصل، وحُسْن الخلق، وصَوْن المعروف؛
يستطيع أن يكون مؤذيًا لغيره، أو أن يتقبل فكرة أنه قد يكون سببًا في غصّة قلب أحدهم،
لأنه يرتعد رُعبًا أن يُخلّف أثرًا موجعًا لا يُمحى من الذاكرة،
أو ندبةً لا تُمحى في مشوار حياة الآخرين.”
هؤلاء الذين يتهربون من الإيذاء، لا لأنهم ضعفاء، بل لأن ضمائرهم حيّة، هم الذين خاضوا تجربة التربية بمعناها العميق. وحين ترى أحدهم يختار الصمت على القسوة، أو يترك المكان بصمت دون أن يُحدث فوضى، فاعلم أن وراءه بيتًا علّمه الفرق بين الكرامة والانتقام، وبين العدل والتشفي. في مدونتي “أولي النهى” لطالما تحدثت عن أولئك الذين يربّون أبناءهم على أن يكونوا نبلاء لا نُدرة، في زمن قلّ فيه من يحترم جراح الآخرين. التربية الحقيقية تمنعك من أن تكون وجعًا في حياة أحدهم، لأن الوجع لا يُنسى، وندبات القلوب لا تلتئم بسهولة.
هناك أناس مرّوا في حياتنا بطيبهم، فتركوا الأثر الجميل. وهناك آخرون مرّوا بجُرح، فخلّفوا نزيفًا لا يتوقف. الفرق بينهما ليس في المعرفة، ولا في العمر، بل في نوع التربية التي تلقوها. هل ربّتهم الحياة على احترام الشعور؟ هل تعلّموا من والديهم أن الناس قلوب وليست أحجارًا؟ هل عرفوا كيف يعتذرون حين يُخطئون، أو ينسحبون حين يشعرون أن وجودهم صار عبئًا؟ هؤلاء هم ثمار البيوت التي آمنت أن التربية ليست تلقينًا بل تهذيب، ليست عقابًا بل حوار، ليست هيبةً بل حبًّا مشبعًا بالمسؤولية.
حين تربيك الأصول، فإنك تختار أن لا تؤذي. تختار أن تكون جسرًا يعبر به الناس من حزنهم، لا أن تكون حفرةً يسقطون فيها. تختار أن تكون ضوءًا لا ظلًا، وأن تُراقب كلماتك قبل أن تنطقها، وتُراجع أفعالك قبل أن تُطلقها. التربية حين تكون حقيقية، فإنها تمنحك حسًّا دقيقًا يضبط انفعالاتك، ويجعلك تضع نفسك مكان الآخر دون أن يطلب ذلك. من تربّى على القيم لا ينتظر القانون ليردعه، ولا الناس ليُراقبوه، بل يكفيه أن ضميره حيّ.
ولأن النفس العفيفة لا تحتمل فكرة أن تكون نقطة سوداء في حياة الآخرين، فإنها تبالغ في العناية بكل تفاصيل وجودها مع من تحب. إن رأت دمعة، تحرك قلبها. وإن أحسّت خذلانًا، انفطرت روحها. وإن شعرت أن كلماتها جرحت، بكت في صمت. التربية الحقيقية تُعلّمك أن لا تجرح، حتى ولو كنت المجروح، وأن لا تؤذي، حتى وإن كنت مؤذًى.
إن من نشأ في بيتٍ يُعلي من قيمة الرحمة، يُقدّر التفاصيل الصغيرة، يعتذر حين يُخطئ، ويُرَبَّى على الحياء لا على القسوة، لا يمكن أن يتحول إلى مؤذٍ دون أن يختنق ضميره. حين يكون المبدأ الأصيل هو أن تُعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، فإنك تتردد ألف مرة قبل أن تنفعل أو تظلم أو تتجاهل. وهذا هو جوهر الأخلاق في القرآن، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وهي آية ليست فقط عن القول، بل عن طريقة الحضور بين الناس.
من أصعب ما يمكن أن يُربّى عليه المرء، أن يحمل مسؤولية شعور الآخرين. أن يشعر أنه مسؤول عن ابتسامة، أو دمعة، أو كسر صغير حدث في مكان ما من روح إنسان آخر. ولكن تلك هي التربية التي نصبو إليها، التربية التي تبني ضميرًا لا يُجامل على حساب الحقيقة، ولا يُبرر الإساءة. من يُربّى على ذلك، يُصبح جزءًا من الطمأنينة التي يحتاجها هذا العالم المزدحم بالصخب.
التربية ليست مجرد تجنّب الإيذاء، بل السعي للترميم. أن تكون ممن إن رأى حزنًا، رقّ له. ومَن إن لمح انكسارًا، احتضنه ولو بالصمت. أن تكون ممن يترك الأثر دون أن يتكلم، ومَن يُشفى به الآخرون دون أن يطلب شيئًا بالمقابل. هذه التربية العظيمة لا تُولد صدفة، بل تُبنى يومًا بعد يوم، حين يُزرع في القلب أن النُبل ليس رفاهية، بل واجب.
في النهاية، دعني أقول إننا في حاجة لإعادة النظر في مفهوم التربية. لسنا بحاجة إلى تعليم أبنائنا كيف ينجحون فقط، بل كيف يكونون لطفاء دون ضعف، أقوياء دون قسوة، حازمين دون عنف، حاضرين دون أن يخنقوا. نحن بحاجة إلى أن نُربّي جيلًا يدرك أن أعظم ما يُقال عنه: لم يُؤذِ أحدًا يومًا، وأن يكون طيب الأثر، خفيف الظل، نظيف الأثر، هو شرف لا يصل إليه إلا من تربّى على النبل والخلق الكريم.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى


3 Responses
شكرا لك.
جميل جدا
جميل جدا جزاك الله خيرا على منشوراتك القيمة ❤️
اللهم امين ووفق الله الجميع لما يحب ويرضى