ليست كل نية صادقة تعني صواباً، ولا كل من تدخّل بين الناس مصلحاً. أحياناً يُولد الظلم لا من الجور المتعمد، بل من التدخل الجاهل. حين تفرض عليك الظروف أن تكون واعظاً أو حَكماً بين الناس، فإن أول مسؤولياتك ألا تظلم باسم النصح، وألا تُقحم نفسك فيما لم تفهمه. فكم من مظلومٍ تآمرت عليه نوايا حسنة وجهلٌ بمداخل الأمور. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه المقولة: حين يكون الحكم ظلماً آخر: لا تتسرع في حمل ميزان ليس لك، كرسالة عميقة لكل من يحاول إصلاحاً دون فهم، ولكل من يحمل ميزان العدل قبل أن يتقن أبعاده وأدواته، فسطرت هذه المقولة:
إن فرضت عليك الظروف أن تكون واعظاً أو حَكَماً،
فعليك أن تتفهم المُشكلة من خلال جميع الأطراف،
فلا تُقحم نفسك وتتدخل في الحُكم بين الناس إن كنت جاهلاً،
حتى لا تعين ظالماً على ظُلمه .. وتظلم نفسك!!

عندما نرتدي ثوب الواعظ أو نتصدر الحكم دون وعي، فإننا نقع في فخ التحيز اللاشعوري. كثيرون يعتقدون أن مجرد حسن النية يكفي لقول الحق أو نصرة المظلوم، لكن الحقيقة أن فهم أبعاد القصة، والاستماع لجميع الأطراف، والتمهل قبل إطلاق الأحكام، هو ما يصنع الفرق بين العدل والتسرع، بين الإصلاح والتخريب. فالقاضي الحقيقي لا يُصدر حكمه بناءً على صوت أعلى، بل على دليل أوضح.
الخطير في هذا الأمر أن من يتدخل دون علم، لا يؤذي فقط من ظلمه بحكمه، بل يضعف ثقة الناس بفكرة العدالة ذاتها. لأن من يتصدر المشهد بمظهر العارف، ثم يُظهر جهله، يزرع الشك ليس في نفسه فقط، بل في كل كلمة يقولها الآخرون من بعده. لهذا، فإن أول أركان العدل ليس المعرفة فقط، بل التواضع أمام ما لا نعلمه، والاعتراف بأن لكل قصة وجهاً خفياً قد لا نراه للوهلة الأولى.
كثير من المشكلات الأسرية والاجتماعية تفاقمت ليس بسبب غياب الحكماء فحسب، بل بسبب كثرة المتدخلين الجهلاء. أولئك الذين يتسرعون في الحكم، يرددون ما سمعوه من طرف دون التحقق من الطرف الآخر، ويظنون أن إصدار الرأي السريع بطولة. بينما البطولة الحقيقية تكمُن في أن تعرف متى تصمت، ومتى تقول: “لا أعلم، ولا أملك أن أحكم”.
نحن بحاجة إلى ثقافة التثبت لا ثقافة التدخل. إلى تربية أنفسنا على التأني لا التحمس العاطفي. لأن كثيراً من الظلم في واقعنا لم يصدر من أصحاب السلطة الرسمية، بل من منابر النصح غير الواعية، ومن حوارات مجالسنا، ومن من يدّعون الفهم في كل شيء. وهذه الظاهرة تستحق وقفة تأمل صادقة.
بل إن الدين ذاته حين أمر بالحكم بين الناس، ربط ذلك بالعلم والعدل، لا بالرأي الشخصي أو المواقف المسبقة. {فاحكم بين الناس بالحق} لم تأتِ عبثاً، بل تضع معياراً إلهياً في أن لا يُتخذ الحكم إلا بعد فهم متكامل، واستقصاء كافٍ، ونية مُنصفة. وكل تجاوز لذلك هو تحميل للنفس ما لا تطيق، بل مساهمة غير مباشرة في دعم الباطل.
الخاتمة: العدالة ليست أن تقول ما تراه صواباً، بل أن تصمت حين لا تملك الحقيقة كاملة. وأن تحذر أن يتحول وعظك إلى ظلم، أو نصيحتك إلى إذكاء نار خصومة. فالتدخل في شؤون الناس دون علمٍ كافٍ ليس شجاعة، بل مخاطرة قد تؤذي فيها نفسك أكثر مما تنفعهم. تذكر دوماً: من العدل أن لا تحكم. ومن الحكمة أن لا تتدخل. فبعض القضايا لا تحتاج رأياً بقدر ما تحتاج قلباً لا يضيف ناراً إلى النار.

