تناولت في مدونتي “أولي النهى” حالة إدارية بعنوان القيادة الحقيقية لا تحتاج منصباً… بل حضوراً ، ففي إحدى الشركات المتوسطة، كان هناك مديران لقسمين متجاورين: جميل وجمال. كلاهما يحمل نفس المؤهل، ويتقاضى نفس الراتب، ويشرف على عدد مماثل من الموظفين. لكن شيئاً ما كان مختلفاً تماماً. قسم جميل ينبض بالحياة، موظفوه يتبادلون الأفكار، يتطوّعون في المهام، ويشعرون بأنهم شركاء في النجاح. أما قسم جمال، فكان صامتاً، منزوعاً منه روح الفريق رغم الحضور اليومي. الأوامر تُلقى كأنها تعليمات عسكرية، والاجتماعات تُدار بحسابٍ دقيق للسلطة لا للنتائج.
في أحد الاجتماعات العليا، طُلب من الإدارتين تقديم خطة استجابة لأزمة مفاجئة. حضر جميل ومعه فريقه، خطة مرنة، مدعومة بروح جماعية وأفكار متنوعة. أما جمال، فجاء وحده ومعه ملف تقني، بلا دعم من أحد. وشتّان بين من يقود الناس، ومن يتحصن خلف سلطته. هذا الموقف البسيط كشف الفارق الكبير بين من يُمارس القيادة كأثر، ومن يتعامل مع الإدارة كواجهة. فليست القيادة في الكرسي، بل في الكاريزما الصامتة التي تبني ثقة من حولك.
وهنا تبرز جوهر المقولة التي أضعها بين أيديكم كتجربة ذاتية وملخّص تأملي عميق:
“القائد الحقيقي لا يخشى زوال منصبه، بل يخشى أن يمرّ دون أن يترك أثراً. هو من يمسك بأيدي فريقه لا ليسحبهم خلفه، بل لينهض بهم أمامه. القيادة لا تقوم على تراكم المعرفة فقط، بل على الوعي بما لا يُقال، والمرونة في لحظات الارتباك، والقدرة على استيعاب اللاملموس. أما من اكتفى بالمنصب دون حضور، فقد تلاشى أثره قبل أن يغادر مكتبه.”
القيادة لا تُبنى على الخوف، بل على الأمان الداخلي. هناك مدراء يخشون على مناصبهم فيتخذون من التحكم والرقابة أدواتهم الوحيدة، يقيدون الطاقات ويُجمدون الإبداع خشية أن يتفوّق أحدهم فيؤثر على “كرسيهم”. وعلى النقيض، هناك قادة يشعرون بالأمان لأنهم يعرفون أن قيمتهم ليست مرتبطة بالمنصب، بل بما يزرعونه في الناس. هؤلاء القادة لا يترددون في تمكين مرؤوسيهم، لأنهم لا يخافون من الارتقاء الجماعي، بل يرونه نجاحًا حقيقيًا.
القائد الحق هو ذاك الذي يُمسك بأيدي فريقه لا ليقودهم فحسب، بل ليكبر معهم. يرى في كل موظف مشروعاً للتميّز، وفي كل لحظة فرصة للإلهام. لا يجعل من نفسه مركز الكون، بل يُحسن توزيع الأدوار بما يُشعر كل فرد بأنه جزء أساسي من المنظومة. الموظفون لا يرحلون دوماً بسبب الراتب أو المزايا، بل بسبب الفراغ القيادي، أو سوء الفهم، أو غياب التقدير. القائد الجيد يعالج ذلك قبل أن يحدث، ويشعر بذلك قبل أن يظهر على السطح.
وفي عوالم العمل اليومية، لا تنحصر التحديات في أرقام وتقارير، بل في تلك المفاجآت التي تتسلل من حيث لا نعلم. وهنا تظهر القيادة الفعلية: كيف يتعامل القائد مع ما لا يمكن التنبؤ به؟ كيف يتصرف أمام المفاجآت التي لا تُحلّ بالسياسات الجامدة؟ القائد المرن لا ينتظر دليل الإجراءات، بل يبتكر الحلول في لحظتها، يقرأ المواقف قبل أن تُترجم، ويشعر بنبض التغيرات قبل أن تُرصد.
القيادة ليست فقط تراكم معرفة أو شهادات أكاديمية. إنها القدرة على التعامل مع اللاملموس، مع الانفعالات، والتوترات، والصمت الذي يسبق الانفجار، أو الغضب الذي لا يُعبَّر عنه بالكلمات. القائد الحقيقي يدير القلوب قبل الملفات، ويقرأ النظرات قبل التقارير. هو من يُطوّع الأزمات ليجعل منها فرصًا، ويتعامل مع الناس بوصفهم بشراً لا أدوات.
الفرق بين القائد والمدير ليس تنظيمياً فقط، بل هو في جوهر الروح. المدير يُعنى بالحفاظ على النظام، أما القائد فيُشعل الطموح. المدير يطلب التقارير، والقائد يسأل عن المعنى وراء كل تقرير. المدير يُدير الوقت، والقائد يوجّه الطاقة. والمدير يُقدّم مخرجات، لكن القائد يترك أثراً.
وقد تناولت ضمن مدونتي أولي النهى هذا التأمل لأطرح سؤالاً عميقاً لكل من يحمل على عاتقه مسؤولية الآخرين:
هل حضورك مع فريق عملك أقوى من منصبك الإشرافي؟
فإن كنت قائداً بحق، سيُذكرك الناس بما صنعت، لا بما كنت تملك.

