كم مرة رأيت شخصاً أعلن فرحه بصخب، ثم اختفى بعدها بحزن صامت؟
في مدونة أولي النهى، وبعنوان ” ليست كل نعمة تريد شهوداً: حين يكون الستر هو البركة”
لا نكتفي بظاهر الأحداث. فليست كل خسارة ابتلاءً فقط، وليست كل نعمة فرحاً خالصاً. هناك سنن خفية، لا تُرى بالعين، لكنها تُلمس بالأثر.ن
تعجب الناس كثيراً من أفراح لا تكتمل، ومن لحظات تزهر سريعاً ثم تذبل كأنها لم تكن. يتساءلون بدهشة: كيف تحول الفرح إلى عبء؟ وكيف انقلبت النعمة إلى قلق خفي؟
لكنهم، في غمرة التساؤل، يغفلون عن معنى عميق: أن النعمة حين تُكشف كثيراً، تُرهق. وحين تُستر بحكمة، تُبارك.
ومن أعظم هذه السنن: أن بعض النعم لا تحتمل الضجيج، وبعض الأفراح لا تزدهر إلا في الظل.
لماذا الستر؟ ليس خوفاً، بل حكمة
الإنسان بطبعه يميل للمشاركة. يحب أن يخبر الآخرين بما يملك. وهذه فطرة لا تُلام، لكنها إن لم تُضبط، تحولت إلى استنزاف.
فليس كل ما يُعاش يُقال، وليس كل ما يُقال يُحتمل.
وهناك فرق كبير بين الامتنان الصادق، والاستعراض الخفي الذي يتسلل إلى قلوبنا دون أن نشعر. النعمة حين تُعلن كثيراً، تصبح عرضة لكل عين، لكل تفسير، لكل مقارنة صامتة.
ليس لأن الناس سيئون، بل لأن القلوب بشرية. ربما لا يتمنى أحد زوال نعمتك، لكنه يتألم وهو يقارن. فتتحرك مشاعر لا تراها، لكنها تترك أثرها.
العين ليست خرافة، كما يظن البعض، ولا مبالغة، كما يراها آخرون. بل هي حقيقة أشار إليها النبي ﷺ: “العين حق” (رواه البخاري ومسلم). المصدر
لكن فهمها يحتاج إلى توازن: لا خوف دائم، ولا إنكار ساذج. العين جزء من منظومة الابتلاء، ويؤمر الإنسان أن يتحصن منها بالذكر والحكمة، لا بالوساوس.
أمثلة واقعية (بدون تعقيد):
- كم من مشروعٍ بدأ بحماس، ثم تلاشى بعد أن أُعلن مبكراً؟
- كم من علاقةٍ كانت هادئة، ثم دخلها التوتر بعد أن أصبحت حديث الناس؟
- كم من فرحٍ بسيطٍ كان يكفي صاحبه، لكنه حين قيس بنظر الآخرين، فقد طعمه؟
هذه ليست مصادفات، بل نتائج لتجاوز حد التوازن بين الستر والظهور.
الستر لا يعني الانغلاق
الستر ليس انغلاقاً أو قطيعة مع الناس. بل هو وعي عميق بما يُقال وما يُخفى. أن تختار متى تشارك، ومع من، وبأي قدر.
بعض اللحظات لا تُروى، لأنها أجمل حين تُعاش فقط. وبعض النعم تزداد صفاءً كلما قلّ الحديث عنها.
الشكر الحقيقي في القلب، لا على المنصة
الشكر لا يتعارض مع الستر، بل يُكمله. فالشكر الحقيقي ليس إعلاناً دائماً، بل شعور داخلي يظهر في السلوك قبل الكلمات.
قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ سورة إبراهيم: 7 والشكر في الخفاء أصدق، لأنه خالٍ من الرياء أو طلب إعجاب الآخرين.
إن من أجمل ما يتعلمه الإنسان مع النضج، أن ليس كل ما يُفرح يُقال، وليس كل ما يُقال يُبارك.
السكينة التي نحفظ بها تفاصيل حياتنا ليست خوفاً من الناس، بل احتراماً للنعم. فالنعم إذا وُضعت في مواضعها استقرت، وإذا أُخرجت عن حدّها اهتزت.
كان الصالحون يفرحون، لكنهم لا يضجون. وينعمون، لكنهم لا يُظهرون كل شيء. لأنهم أدركوا أن البركة ليست في كثرة ما نملك، بل في ثبات ما نملك. والجذور لا تُرى أبداً.
في زمن أصبحت فيه المشاركة أسهل من أي وقت مضى، أصبح الستر أصعب قرار. أن تختار الصمت حين يُغريك الحديث، وتكتفي بحمد الله بينك وبينه، دون أن تُشرك كل من حولك في تفاصيلك… هذا هو القوة الحقيقية.
اللهم استر نعمنا بسترك، وأدمها علينا بجميل لطفك، واصرف عنا شر من لا يتمنى لنا الخير.
وفي النهاية: ليست القضية أن نخاف من أعين الناس، بل أن نفهم سنن الحياة. بعض النعم يكفيها أن تُعاش، لا أن تُعرض. وبعض الأفراح تُبارك حين تمر بهدوء، لا حين تُعلن بصخب.
وبين الستر والشكر، يولد ذلك التوازن الجميل الذي يحفظ للنعم جمالها… ودوامها.
