Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

شكر الله وحمده … مسار العارفين ومقام الثابتين‏

في مدونة “أولي النهى”، تأملت العلاقة بين الإنسان والإيمان في ظل تقلبات الحياة، وجدت أن شكر الله ليس موقفًا عابرًا، بل مقامًا إيمانيًا رفيعًا يكشف عن جوهر الصبر، وصفاء النفس، وثبات القلب. وفي هذه المقالة بعنوان شكر الله وحمده … مسار العارفين ومقام الثابتين‏ ، أستعرض هذا المعنى العميق الذي لا يُنتزع من لحظة رخاء، بل يُستخرج من قلبٍ أدرك أن في كل قدرٍ رحمة، وفي كل محنةٍ رسالة، ولو خفي المعنى.

فقد وردت كلمة “الشكر” ومشتقاتها 75 مرة في القرآن الكريم، مما يدل على عمق هذه العبادة ومكانتها. وكما اجتمعت كلمات الشكر أحيانًا مع الابتلاء والمصائب في سياقات قرآنية بديعة، فإن هذا التكرار لا يأتي عبثًا، بل ليؤكد أن الشكر لا يُفصَل عن حياة الإنسان في كل أحوالها، بل هو اختبار دائم للثبات والإيمان.

قال الله تعالى: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ” [إبراهيم: 7]

وهذا وعد لا يتخلّف، وسنّة إلهية جارية: أن الشكر يجلب الزيادة، لا في الرزق فقط، بل في النور والبصيرة، وفي الطمأنينة التي لا توصف.

في اللحظات التي يبدو فيها الحرمان ظاهرًا، والبلاء ثقيلًا، يتجلّى مقام الشكر كاختبارٍ صادق للإيمان، وهو صفة من صفات الأنبياء والمؤمنين.

يقول الله تعالى في قصة نبي الله سليمان عليه السلام: “هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ” [النمل: 40]

في هذا الموقف الإيماني، نلمس أن الشكر ليس مجرد ردة فعل على النعمة، بل وعيٌ بأن كل عطية إلهية هي امتحانٌ لحقيقة القلب، وصدق العبد مع ربه

المؤمن الحق لا يقصر شكره على لحظة النعمة، بل يتّخذه زادًا في أوقات المحنة، لأن جوهر الشكر لا يتعلق فقط بالمنح، بل بالمعنى الذي تحمله الأقدار، مهما اختلفت صورها.

فالشكر عبادة قلبية ولسانية وعملية: • فالقلب يعترف بالنعمة، • واللسان يُثني على المنعم، • والجوارح توظّف النعمة في طاعته.

وهذا التكامل هو سر بقاء النعمة وزيادتها، وسر رفع البلاء وتزكية النفس.

إن من يشكر في البلاء، لا يهرب من الألم، بل يرى فيه رسالة، وتزكية، وامتدادًا لعناية الله، وإن خفيت.

ففي مواجهة المحن، يكون الشكر درعًا للنفس، ومحرّكًا للنمو الروحي، يجعل الإنسان يرى في كل محنة معنى، وفي كل ألم فرصة، وفي كل تأخير حكمة.

الشكر يمنح النفس صبرًا غير مُستعار، ويجعل البلاء رحلة للارتقاء، لا مجرد معاناة بلا نهاية.

فالشكر ليس لحظة طارئة، بل مسار يختاره العارفون بالله، أولئك الذين لا يحصرون الشكر في الرخاء، بل يجعلونه دَيدنهم في السراء والضراء.

ومن أسمائه الحسنى “الشكور”، الذي يجزي على القليل، ويجبر كسر النية، ويرى ما في القلوب قبل الجوارح.

وذلك فيضٌ من رحمته وعدله، لمن سلك درب الشاكرين.

ويجدر بنا في هذه المقالة أن نُبيّن الفرق بين “الحمد” و”الشكر”، فهما مفهومان  لكلٍّ منهما دلالته الخاصة:

الحمد أوسع وأشمل، فهو يُوجَّه لله في كل الأحوال، على ما عرفنا من النعم وما لم نعرف، وعلى ما نفهم من أقداره وما نعجز عن إدراكه. وهو عبادة تُظهر كمال الثناء على الله، لجلاله وجماله، لا لِمُقابلٍ فقط.

أما الشكر، فهو ردّ فعل تعبّدي على إدراك النعمة أو البلاء الذي فيه خير، وهو اعتراف محدد بالفضل، يتضمّن رؤية العطاء الإلهي واستحضار أثره في النفس والحياة.

وقد وردت مفردة “الحمد” في القرآن الكريم 38 مرة، منها ما جاء بصيغة الحمد لله ابتداءً بالسور مثل: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” [الفاتحة: 2]، “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” [الأنعام: 1]، مما يدل على أن الحمد يُفتتح به الذكر، ويُختم به الدعاء، ويُلزِم به أهل الجنة.

أما الشكر، فذُكر – كما سبق – 75 مرة، وجاء غالبًا في سياقات التكليف، والابتلاء، والثبات، مما يدل على أنه فعل نابع من وعي المؤمن وقدرته على تجاوز ظاهر الأحداث.

الخلاصة: الحمد عبادة الذاكرين، والشكر عبادة الواصلين. الحمد يُقال عند النعمة والمحنة، أما الشكر، فهو موقف من يرى الرحمة في المنع كما في العطاء. فمن جمع بين الحمد والشكر، جمع بين الثناء على الله لذاته، والاعتراف له بجميل فضله.

مراجع المقالة:

  1. القرآن الكريم – جمع واستقراء للفظ “شكر” ومشتقاته.
  2. عدد مرات تكرار كلمة “شكر” ومشتقاتها في القرءان الكريم https://shorturl.at/A2Wkr على الموقع https://corpus.quran.com/

 

د. سلطان عقيل 

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد