في عالم يزدحم بالسباق والضجيج، قد يمرّ أحدنا بتجربة لا يُقدَّر فيها حق قدره، فيبدأ في الشكّ بقدراته ويتراجع عن طموحاته. لكن الحقيقة التي لا جدال فيها: التقدير ليس ترفًا… بل حقٌ تستحقه. وحين لا يُمنح هذا الحق، يبدأ الإنسان في الانطفاء تدريجيًا، لا لأنه ضعيف، بل لأنه في غير موضعه. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المفهوم العميق بعنوان التقدير ليس ترفًا… بل حقٌ تستحقه، مؤمنةً بأن الإنسان لا يُقاس فقط بما يقدّمه من عطاء، بل بالمساحة التي تُمنح له ليُزهر، وقد تناولت هذه الفقرة المقولة:
لا تستهِن بذاتك، ولا تُطفئ وهج قدراتك بيديك …
فلعلك لست في المكان الخطأ فحسب، بل في المكان الذي لا يُدرك قَدرك.
ابحث عن موطنٍ يحتضن عطاءك، ويثمّن إخلاصك، دون أن يقلل من وهجك.
فالحياة في جوهرها ميزانٌ منصف: بِقَدْرِ ما تَمْنَحُهَا، تَمْنَحْكَ.
لا تستهِن بذاتك، ولا تُطفئ وهج قدراتك بيديك… فلعلّك لست في المكان الخطأ فحسب، بل في المكان الذي لا يُدرك قَدرك. كثيرون يعيشون أعمارهم في بيئات لا ترى فيهم سوى الأدوات، ولا تمنحهم سوى ما يضمن استمرار العمل لا الإبداع، فيتآكل الشغف شيئًا فشيئًا، وتذبل الروح رغم صدق العطاء.
إن لم تجد من يحتضن إخلاصك، فابحث عن موطنٍ يُثمّن ما تقدّمه، لا لأنك تحتاج لمديح، بل لأن النفس البشرية تحتاج إلى من يُنصت إليها ويُبصر ما تبذله. فالبيئة الداعمة ليست ترفًا، بل ضرورة من ضرورات النمو. أما الأماكن التي لا تُقدّرك، فإنها تأكلك من الداخل دون أن تشعر، فتتحول إلى كائن وظيفي جامد، يؤدي ما يُطلب منه فقط، دون أن يمنح شيئًا من روحه.
لا تتنازل عن نفسك لتناسب مقاس أحدهم. فالتقليل من النفس لا يُرضي أحدًا، بل يجعلك غريبًا حتى عن ذاتك. قد يُقال لك: اصبر واحتسب، لكن اعلم أن الصبر لا يعني البقاء في مواضع الضعف والانطفاء. الصبر الحقيقي هو في السعي، في اتخاذ القرار الذي يُعيد لك احترامك لذاتك، حتى لو اضطررت أن تبدأ من جديد. فإن لم تُقدَّر، فلا تمكث… وإن تألمت. فكم من بيئة قتلت أحلامًا، ووأدت إبداعًا، فقط لأن أصحابها لم يُمنحوا ما يستحقونه من مساحة وتقدير. الخروج ليس هروبًا، بل شجاعة، والابتعاد ليس جفاء، بل صيانة لما تبقى من نورٍ في داخلك.

من يؤمن بك، يُنمّي قدراتك، ويُضيء لك المساحات المعتمة، لا يُطفئها. ومن يحبك مهنيًا أو شخصيًا، لا يختبر ولاءك كل يوم، بل يمنحك الأمان لتكون على طبيعتك، ولتُظهر أفضل ما لديك. أما من يُجبرك على شرح نفسك في كل مرة، فاعلم أنه لم يُدركك بعد. فليس كل صمت رضا، وليس كل استقرار طمأنينة. أحيانًا يكون أكثر الأماكن ثباتًا هو الأكثر إيلامًا، لأنك فيه تعيش على الهامش، فقط لتُرضي من حولك، وتُطمئنهم أنك “بخير”، وأنت أبعد ما تكون عن ذلك.
التقدير يُنبِت الثقة، والثقة تُثمر إبداعًا. وفي عالمنا الذي لا يتوقف، لا يكفي أن تُنتج، بل يجب أن تجد من يُدرك جودة ما تنتجه. أما الاستنزاف في بيئة لا تفهمك، فهو طريقٌ مؤلم لا يُثمر إلا التعب. وتذكّر دومًا أن الحياة في جوهرها ميزانٌ منصف: بقدر ما تمنحها، تمنحك. فلا تستمر في العطاء حيث لا يُحتفى بما تعطيه، ولا تواصل الرحلة في طريق لا ترى فيه نفسك. أنت تستحق أن تُحتَرم، أن تُفهَم، وأن تُقدَّر.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى


6 Responses
في وقته جدا
لكن التطبيق حين يتعلق الأمر بالرسالة التي تتبناها والمبدأ الذي تخدمه
الأنر صعب.
يا رب يا واسع
التوفيق من عند الله، حفظكم الله
هذا وقت للتطبيق.
شعرا، منشور منعش
موفق الى كل خير
التوفيق من عندك يارب اللهم يسر لى الخروج على الخير وحسبنا الله فيمن آذانا يارب العالمين 🤲
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وجزاك الله خير الجزاء