Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

حين تكون القدوة غرسًا داخليًا قبل أن تكون سلوكًا خارجيًا

القدوة ليست أن نقف أمام الناس لنُملي عليهم الصواب، بل أن نقف في قلوبهم حين نُحيي فيهم الشعور بالمسؤولية، ونمنحهم الإحساس أنهم على قدر التحديات، وأن الحياة، بكل ما فيها من احتمالات، لا تُخيف من استعد لها من الداخل. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المعنى المتجدد بعنوان حين تكون القدوة غرسًا داخليًا قبل أن تكون سلوكًا خارجيًا ، فليس كل من تصدر صار قدوة، بل القدوة الحقة من يغرس قيمًا لا تنطفئ حين يغيب، ويُشعل في الآخرين نورًا يرافقهم في غيابه قبل حضوره.

أن تكون قدوة لا يعني أن تُتقن الأفعال أمامهم، بل أن تُلهم ما لا يُرى خلف الأفعال… أن تُشعل في من حولك وميض الوعي، وتقودهم ليصبحوا أنفسهم قادة، لا تابعين. فالأبوة مثلًا ليست استعراضًا للنظام والانضباط، بل هي خلق بيئة يتعلم فيها الطفل كيف يستعد للحياة. والمدير الناجح ليس من يتحكم بالمشهد، بل من يصنع أشخاصًا قادرين على صناعة المشهد بعده.

نحن لا نعيش الحياة وحدنا، بل نعيشها وسط شبكة من التأثيرات، من نظرات الأطفال، وهمسات الأمهات، وتعليقات الزملاء. وكل تصرف منا يُقرأ ويُفسر، فإما أن يكون نبراسًا أو أن يُترك بلا أثر، لكن الأثر الحقيقي لا يكمن في الفعل الظاهر فحسب، بل في بناء دواخل الناس على مبدأ: كن مستعدًا دومًا… فالحياة لا تُمهل المتخاذلين.

في هذا العالم المتغير، حيث لا ثابت سوى التبدل، لا يكفي أن نُظهر الكفاءة، بل يجب أن نغرس في من حولنا ثقافة الاستعداد، فالذي يستعد يتهيأ… والذي يتهيأ يستحق العون. “الإمداد على قدر الاستعداد” وهذه ليست حكمة عابرة، بل فلسفة عميقة تؤسس للفهم الحقيقي للتوكل، للجاهزية، ولحسن الظن بالله مع العمل الدؤوب.

حين تُصبح قدوة في بناء الآخر، فأنت لا تُهيمن على خياراته، بل تُضيء له طريقًا، وتُرشده كيف يصنع قراراته. فالمدرب لا يخوض السباق مكان المتدرب، لكنه يدربه على الجاهزية… والمعلم لا يعيش حياة طلابه، لكنه يُسلحهم بالمنهج، والفكر، والبوصلة.

كم من بيت لم يكن فيه كثير من الكلمات، لكن الأب فيه كان قدوة بالصبر، والأم قدوة بالثبات، فانغرس في قلوب الأبناء أن الحياة لا تُعاش بالشكاية، بل بالاستعداد، وكم من مدير ناجح لم يُلقِ محاضرات طويلة، لكنه رفع منسوب المسؤولية في فريقه دون أن يُشعرهم بالضغط، فقط لأنه مارس القدوة بتوازن، فاستجاب الكون له… وتعلم الجميع أن الحياة تُكافئ من يستعد، وتُقصي من ينتظر الحظ.

القدوة إذًا ليست أن تفرض المثال، بل أن تُوقظ الدافع، هي أن تزرع في الناس يقينهم بأنهم قادرون على حمل المسؤولية، وتحفز فيهم السؤال الجميل: “وماذا يمكنني أن أفعل أكثر؟”، فالناس لا تحتاج دائمًا أن ترى نجاحك، بل تحتاج أن ترى نفسها قادرة على النجاح من خلالك، وهذا هو الفرق بين التأثير اللحظي والتأثير الممتد: الأول يُبهر، والثاني يُبني.

الذين حولك لا يبحثون عن مثالية لا تُطال، بل يبحثون عن واقعية تُشبههم، ويُريدون من قدوتهم أن تكون شهادة حياة لا شهادة تفوق. فالحياة لها أوجه كثيرة، ومراحل متقلبة، وكل مرحلة تستدعي استعدادًا من نوع خاص، يبدأ من الداخل، لا من المظاهر.

نحن حين نغرس الاستعداد، نُشجع على العمل، ونُصالح الناس مع التحديات. فالذي يستعد نفسيًا، عقليًا، وجدانيًا، يواجه الفوضى بثبات، ويُقابل الطوارئ بحكمة، ويقرأ اللحظة قراءة تؤهله لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

الخلاصة:

كونوا قدوة لا بالأداء الظاهر فقط، بل بتأسيس ثقافة الاستعداد في نفوس من حولكم. فالقدوة لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بعدد القلوب التي أضاءتها، والنفوس التي شجعتها على أن تتحمل مسؤولية ذاتها، في زمن لم يعد ينتظر أحدًا.

 

د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى


 

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد