ستشعر بثقل البداية من جديد، لا لشيء، سوى لأنك حملت قلبك بصدق في طريق لم يقدره من سار معك. لم يكن الفقد سهلًا، ولا كان القرار بسيطًا، لكنه كان ضروريًا. وقد تناولت ضمن مدونتي أولي النهى مرارًا فكرة أن التخلّي، حين يأتي متأخرًا، لا يكون خسارة، بل علامة على أن الله أراد لك أن تنهض بنفسك، لا أن تُستهلك باسم العلاقات. كما تقول العبارة الافتتاحية بعنوان الذين غادروك… لم يُخرجك الله منهم عبثًا والتي تختصر الوعي العاطفي الناضج:
“أن مجرد وجودهم في خانة الاحتياطي… بدت كأنها ترفٌ فاق ما يليق بهم.
أن تركهم في أطراف الذاكرة… منحهم حضورًا مبالغاً فيه.
أن وجودهم في قاع الاهتمام… كان رفعة لم يبلغوها.”
الذين غادروك، لم يخرجوا من حياتك عبثًا…
بل خرجوا لتبصر ما لم تكن تراه وأنت في عمق التعلّق.
ليس الفقد دائمًا مؤلمًا، أحيانًا يكون الفقد نعمة تُنكشف لاحقًا. حين يغادر أحدهم، سواء بكلماته أو بصمته، فإننا لا نفهم لحظة الوداع ما الذي يجعل الأمر واجبًا أو محتومًا. لكن تمضي الأيام، ونرى أنفسنا أخفّ، أصفى، وأقرب إلى ما يُشبه الشفاء.

الله لا يُخرج من حياتك شخصًا كنت صادقًا معه إلا لأنه رأى ما لا تراه. رأى مشاعرًا تُستنزف بلا مقابل، وكرامة تُهدد بسكوتك، ورأى أن بقاؤك معهم كان يطفئ شيئًا من نورك الذي وضعه فيك.
لا تستغرب كيف أنك احتفظت يومًا بأشخاصٍ كانوا كثيرًا عليهم حتى أن يوضعوا في هامش الشعور. ذلك ليس ضعفًا منك، بل طهارة قلب، تعلّم لاحقًا أن الكرامة لا تُقدَّم على مذبح التعلق. من عرف قدر نفسه، عرَف متى يمشي، ومتى يُغلق الأبواب دون ندم. حين تنظر خلفك، ستجد أن الله أخرجهم من حياتك بلُطف، لا فضيحة، ولا شتات، فقط انقطاع هادئ يُشبه الغفران. وهذه نعمة لا يفهمها إلا من ذاق مرارة البقاء في علاقاتٍ هشّة.

الذين غادروك… لم يُخرجهم الله عبثًا. بل رحلوا لأنك دعوت سرًّا أن يطهّرك الله من كل ما يُؤلمك دون أن تدري. ولأنك كنت صادقًا مع الله… أخرجهم برحمةٍ لم تكن تظنها خيرًا، لكنها كانت كذلك.
الخلاصة:
لا أحد يرحل عنك بإرادة الله إلا لحكمةٍ في نجاتك. أحيانًا يُبعدك الله عنهم لأنك تستحقّ راحة لا تجدها في حضورهم، ويُبعدهم عنك لأنهم لا يستحقّون النقاء الذي فيك. فالذين غادروك… لم يُخرجك الله منهم عبثًا، بل عدلًا، وسترًا، ورحمة.
د. سلطان عقيل
جعلنا الله واياكم من أولي النهى

