في الحياة، لا يُؤذيك فقط من يجرحك بكلمة، بل قد يُؤذيك من يُحسِّن حضوره حين تتألم، ويتفتح مزاجه حين تضيق، ويزدهر حين تذبل. هناك نوع من الناس لا يكتفي بالغياب، بل يحضر كعبء، لا يُقدّم طمأنينة، بل يُشعل التوتر، لا يشاركك الحياة… بل يتغذّى على لحظات ضعفك. وفي لحظة وعيٍ صامتة، تدرك أن حماية نفسك من هذا النوع ليس قسوة، بل عدالة تأخرت. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه المساحة النفسية بعنوان نفسك أمانة… لا تُسلّمها لمن يُتقن الإهانة والتي تُقابل فيها الإساءة بالصمت، وتحمي فيها كرامتك بالتجاهل، وتُدرك أن بعض المعارك ليست شرفاً، بل انحداراً لا تستحق أن تُجرّ إليه.
لا تسمح لنفسك أن تكون وقوداً لمن تتفتح أوراقه وتنمو أغصانه حين يرى من حوله في ضيق وألم.
لا تسمح لنفسك أن تكون أداةً لإشباع غريزته غير السويّة!
فعليك أن تختار معاركك بتبصّر، ولا تسمح أبداً أن يدفعك أحدهم إلى الوحل.
كن حكيماً… نفسك أمانة أكرمها الخالق، فلا تؤلمها ولا تُهِنها.
فهناك من يستمتع بالأذى، ويضيق صدره حين تُهلكه بالتجاهل.
قد تعتقد أحياناً أن الصبر على الأذى فضيلة، لكنه إن تجاوز الحد، صار إذلالاً للنفس. بعض النفوس لا تشفى إلا حين تراك تنزف، ولا تهدأ إلا حين تراك تستجدي، وحين يجدونك أقوى من الانهيار، يُصابون بالاختناق. هؤلاء لا يستحقون فيك حرفاً، ولا حتى التفسير. أن تكون وقوداً لغيرك يعني أن تحترق ليضيء، أن تضعف ليقوى، أن تتراجع ليتقدّم. وهي معادلة ظالمة لا يُرضيها إلا الغفلة أو التواطؤ مع الذات. عليك أن تُدرك جيداً أن بعضهم لن يتغيّر، لأنه لا يرى فيك إنساناً، بل فرصة… للتفوق، للتحكم، للانتصار النفسي المريض.
أخطر أنواع العلاقات هي تلك التي تستنزفك بصمت، وتُسمّم داخلك وأنت تظن أن المشكلة فيك. تكتشف لاحقاً أن كل ما كنت تمرّ به لم يكن “سوء تفاهم”، بل سلوك مقصود، مقنع، محسوب. هدفه الأساسي: تقليلك. وكلما استمررت في التبرير، تمددت مساحة الأذى. فأختر معاركك بعناية. ليس كل من يتطاول يستحق الرد، وليس كل من يستفزك يستحق الالتحام. لأن بعض المعارك ليست جدالاً فكرياً، بل إسقاطاً لك. وإن سمحت لهم أن يسحبوك إلى الوحل… لن تخرج منتصراً حتى وإن كنت على حق. البُعد عن الفوضى أحياناً هو أعلى مراتب الحكمة.
نفسك أمانة، لا تسلمها للذين لا يُجيدون سوى التشويه. لا تُهِنها لتُثبت شيئاً، ولا تُؤلمها لتُرضي أحداً، ولا تُرهقها بمحاولات إصلاح من لم يطلب منك سوى أن تبقى أضعف منه. الله أكرمك، فلا تضع نفسك في مقام يُنقصك. فمن يستمتع بإيذائك لا يُكافح ذاته، بل يتربّى على رؤية وجعك. يحب أن يراك مكسوراً، وأن يسمع صوت انكسارك. يراقبك في لحظة سقوطك لا ليُمسكك، بل ليحكي سقوطك للآخرين. هذا النوع من البشر لا يُواجه، بل يُنسى… بالتجاهل.
التجاهل هنا ليس تجاهل ضعف، بل تجاهل انتصار. لأن من يرى أنه لا يستحق ردك، يُعاقب بالغياب التام. يشعر بالاختناق لأنه لم يحصل على وقودك، لم يُشعل بك ناره المريضة، لم يرَك ترد، تغضب، تنهار. وبهذا التجاهل… تُهلكه دون أن تقترب. فلا تمنح أحداً حق الدخول إلى دائرتك النفسية إلا إن شعرت معه بالأمان. لأن الوجع الحقيقي لا يأتي من بعيد، بل من الذين سمحت لهم بالاقتراب. ومن يُهينك وأنت تظنه حبيباً… أخطر من عدوٍ واضح. الأول يهدمك من الداخل، والآخر تُدافع فيه عن نفسك. والداخل… أصعب.
قِف على أرضك، وحدد حدودك، وارسم ملامح احترامك لنفسك. لا أحد يستحق أن يُطفئك، ولا أحد يستحق أن تشرح له باستمرار أنك بخير. من لا يرى طيبتك في صمتك، لن يُقدّرها في حديثك. ومن لا يحفظ كرامتك في غيابك، لا يُؤتَمن على حضورك.
الخلاصة:
لا تكن الوقود الذي يُشعل نار غيره.
ولا تسمح لأحد أن يستهلكك ليُثبت شيئاً لنفسه.
كن حكيماً، قوياً، حاضراً بذاتك… ومتجاهلاً لكل من أراد بك أذى لا يستحق حتى ردك.

