Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

إعادة ترتيب الأولويات… مفتاح السلام الداخلي

في حياتنا، تتغير ملامح الأشياء من حولنا. ما كنا نظنه ثابتاً، يتحول إلى وجه آخر، وما كنّا نراه مستحيلاً، يصبح يوماً ما واقعاً بسيطًا. التجارب تُربّينا، والمواقف تُهذّبنا، وخسارات العلاقات تُعيد ترتيب وعينا. وما بين بدايات كنا فيها متصلبين، وأزمان أُجبرنا فيها على التكيّف، نُدرك أن الاستمرار لا يعني الجمود، بل المرونة المدروسة. لأن ما لا يتغير… ينكسر. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المفهوم بعنوان إعادة ترتيب الأولويات… مفتاح السلام الداخلي، والذي يغيب عن كثيرين: أن الصلابة المستمرة ليست فضيلة، إن لم تملك المرونة الكافية لتحمي روحك، وتعيد ترتيب معاركك، وتُوازن بين الثبات وبين النجاة.

 

أولوياتك واهتماماتك مع مرور الوقت قابلة للتغيير.

قناعاتك بشأن أمور تراها في البداية مستحيلة التنفيذ، ستجدها في وقت ما أمراً عادياً.

لا تُصرّ على أن تُلقي على نفسك ما قد يُثقل كاهلك ويؤثر عليك ذهنياً ونفسياً.

الحياة دوماً متغيرة، وعليك أن تُعيد ترتيب أولوياتك وفقاً لذلك المنظور.

فالعلاقات السوية تُبنى بمجهود أكثر من طرف وليس طرفاً واحداً مكبّلاً بذلك كل طاقته.

صمودنا أمام التيار أمرٌ صعب، فمن الضروري أن نتمتع بمرونة تُمكّننا من إكمال مشوارنا،

طالما أن تلك المرونة لا تمسّ الدين ولا الأخلاق.

كثيرون يربطون الاستقرار بالجمود، ويظنون أن الثبات على الرأي فضيلة مطلقة، حتى حين يُنهكهم هذا الرأي. لكن الواقع أثبت أن أقوى الناس هم أولئك الذين يُعيدون تشكيل وعيهم وفقاً للمرحلة، دون أن يفقدوا أصلهم. أولئك الذين يعرفون متى يُغيّرون، ومتى يُغادرون، ومتى يُعيدون ترتيب الأولويات من جديد. فمن الطبيعي أن تتغير نظرتك لبعض الأمور، بل من الصحي أن يحدث ذلك. أن تتطور، أن تُراجع قناعاتك، أن تقول “كنت أعتقد” ثم “الآن أفهم”. هذه ليست خيانة للذات، بل نضج حقيقي، وانفتاح على وجهات نظر لم تكن تراها وأنت في عنق الدوامة.

إنك حين تُجبر نفسك على التمسك برأي، أو علاقة، أو أسلوب حياة أصبح لا يُناسبك، فأنت بذلك تُثقل كاهلك بما لا طاقة لك به. والنتيجة؟ إنهاك داخلي، تراجع في العافية النفسية، وإحساس مزمن بالضغط دون سبب ظاهر. فقط لأنك لا تريد أن تعترف بأن شيئاً ما انتهى، أو على الأقل… تغيّر. فلا بأس أن تعيد ترتيب أولوياتك. ما كنت تراه مهماً قبل خمس سنوات، ليس بالضرورة أن يبقى في الصدارة الآن. الأشخاص الذين قاتلت من أجل بقائهم، قد يكون مكانهم الآن خارج مساحتك الآمنة. الاهتمامات التي استنزفتك، قد تكون اليوم خارج حساباتك ببساطة. والسبب؟ لأنك تغيّرت. وتغيّرك ليس ضعفاً، بل وعيٌ جديد.

في العلاقات خاصة، لا يمكنك أن تواصل العطاء وأنت مُنهك. العلاقات السوية تُبنى بمجهود من الطرفين، لا من طرفٍ واحد يُكبل نفسه ليبقي الآخر راضياً. لأن هذا الطرف، حين يتعب، لن يجد من يُمسك به. العلاقات التي لا تمنحك مساحة للتنفس ليست علاقة، بل عبء. ومن الطبيعي أيضًا أن تحاول، أن تصبر، أن تُراعي، أن تُبرر. لكن حين يتحول كل ذلك إلى نمط دائم، فاعلم أن هناك خللاً في المعادلة. لأن العلاقة السوية تعني التوازن، المشاركة، التكافؤ. وكلما اختل هذا التوازن، أصبح من الضروري أن تعيد النظر لا في الآخر فقط… بل في نفسك.

الصمود أمام تيار الحياة دون مرونة هو مقاومة بلا أدوات. ستنفد طاقتك، وستجد نفسك ساكناً في مكان لا يشبهك، تُجامل من لا يعرفك، وتُبرر لمن لا يفهمك، وتدافع عن ذاتك كأنك متهم دائماً. بينما كان بإمكانك أن تقول ببساطة: “لقد تغيّرت، وهذا حقي.” فالمرونة ليست هزيمة، بل دهاء عاطفي وفكري. أن تتراجع خطوة لتتفادى الانكسار، أن تُعيد ضبط اتجاهك دون أن تفقد هدفك، أن تنسحب من المواقف التي تسرق سلامك الداخلي، دون أن تعلن الحرب. المهم أن تظل أنت… حتى وأنت تتغير. لكن هناك حدوداً لا يُمكن تجاوزها: الدين، الأخلاق، المبادئ الكبرى التي لا يُمكن أن تُمسّ تحت أي ظرف. فالمرونة لا تعني المساومة على الأصل، بل تعني حُسن التصرف في الفروع. أن تعرف كيف تتكيّف دون أن تتنازل عن جوهرك.

 

الخلاصة:

الحياة متغيرة، ولا أحد يبقى كما هو.
فلا تُحمّل نفسك ثباتاً يُرهقك، ولا تخجل من أن تُعيد ترتيب حياتك وفق ما يناسبك الآن.
كن مرناً بما يكفي لتستمر، وثابتاً بما يكفي لتبقى نقياً كما أنت.

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد