في العلاقات الإنسانية، لا يكون الإنهاك دائماً في المشكلات الظاهرة، بل في التفاصيل المتكررة التي تستنزفك دون أن تنتبه. أن تعيش في حالة دفاع دائم، أن تشعر بأن كل تصرف منك يحتاج شرحاً، وأن كل كلمة تحتاج خلفها تبريراً، هو مؤشر عميق على أنك لست في المكان الصحيح. من الطبيعي أن نوضح مواقفنا أحياناً، لكن حين يصبح التبرير أسلوب حياة… فثمة خطأ ما يتجاوز السلوك إلى جوهر العلاقة. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه الحالة النفسية الدقيقة تحت عنوان العلاقة التي تُجبرك على التبرير… تسرق منك ذاتك ، حين تتحول العلاقة إلى محكمة دائمة، ويُطلب منك أن تُبرر نفسك أكثر مما تعيشها، فتفقد معها صوتك الحقيقي وملامحك الصافية، من خلال المقولة:
إذا وجدتَ نفسك تحت ضغط التبرير باستمرار،
فاعلم أنك مع الشخص الخطأ.
فالمبررات وُجدت لتوضيح المواقف، وليست لتكون أسلوب حياة!
توخَّ الحذر،
وإياك أن تسمح لأحد أن يجعل منك النسخة المدانة طوال الوقت.
وتأكد أنك لست مجبراً على ذلك، فمن يهمه أمرك سترى معه أفضل نسخة منك.
التمادي في التبرير يسرق منك الثقة بالنفس، يجعلك تشك في نواياك قبل أن تشك فيها أعين الآخرين. تبدأ تسأل نفسك: هل أنا مُقصر؟ هل كنت مبالغاً؟ هل فسرت الأمور خطأ؟ ويزداد الضغط حين يكون الطرف الآخر لا يُقدم فهماً بل محاكمة، لا يُنصت بل يُدين، ولا يبحث عن طمأنتك بل عن إثبات أنه كان على حق. فمن يحبك بصدق لا يضعك في قفص الاتهام، بل يضعك في قلبه. لا يسألك عن كل تفصيلة بصيغة استجواب، بل يمنحك مساحة لتكون كما أنت، دون خوف من التأويل. أما من يجعل منك المتهم الدائم، فاعلم أنه لا يرى فيك ذاتك الحقيقية، بل صورة مشوشة فرضها عليك وسجّلك تحتها.
المرهق في الأمر أنك مع الوقت تبدأ بتقمص هذا الدور… تعتذر حتى دون خطأ، تشرح حتى حين لا يُطلب، تُبرر حتى الأشياء البديهية، وتُفسر طيبتك كأنها خطيئة. وهنا، لا يعود الضغط من الآخر فقط، بل من داخلك أيضاً، من خلخلة ثقتك بنفسك التي تشربت الشعور بالذنب. فالمبررات في العلاقات السليمة لا تأتي بكثرة، بل بالحاجة. مرة لتوضيح، مرة لتصحيح، مرة لحسن ظن. أما حين تُستخدم كوسيلة للنجاة من كل موقف، فإنها تُصبح سُماً يتسلل ببطء ويقتل ما تبقى من احترام الذات. فالتبرير الدائم هو تدمير مستمر لهويتك، وتآكل لصوتك، وذوبانك في محاولة إرضاء من لا يريد أن يفهمك أصلاً.
توخَّ الحذر، لأن استمرارك في مثل هذه العلاقة سيجعلك تفقد البوصلة الداخلية. ستبدأ تتصرف بناءً على ردود فعل الآخر، لا بناءً على قناعتك. ستتحدث كما يريد، وتتصرف كما يُحب، وتفكر كما يرتاح… إلى أن لا يتبقى منك شيء حقيقي. ولعل الأخطر من كل ذلك، أن تصبح العلاقة غير متكافئة تماماً. طرف يراقب، ويُحلل، ويُدين، وآخر يبرر، ويشرح، ويعتذر. حينها لن تكون علاقة، بل منصة توتر دائمة، وحقل ألغام نفسي، مهما اجتهدت، لن تجد فيه مساحة للراحة أو الفهم أو الاحتواء.
تأكد أنك لست مجبراً على أن تكون في علاقة تُحمّلك فوق طاقتك. العلاقات التي تُنضجنا هي تلك التي تمنحنا حرية الصدق دون خوف، والتي تُشعرنا أننا بخير حتى حين نخطئ، والتي تفتح لنا باب العودة، لا باب الاتهام. من يحبك بحق… يُعيد إليك أفضل نسخة من نفسك، لا يُهينها ولا يشوهها. ففي العلاقات الحقيقية، ترى نفسك في عيونهم جميلة، حتى حين تتلعثم، أو تخطئ، أو تغيب. ترى نفسك محبوباً على طبيعتك، مقبولاً بعيوبك، مفهوماً حتى دون شرح. أما حين ترى نفسك دائماً كمن يسير على قشرة من الجليد، فاعلم أن الكسر قادم لا محالة. حينها الرحيل من علاقة تُجبرك على التبرير المستمر ليس ضعفاً، بل شجاعة. هو وعيك بأن نفسك تستحق أن تكون في مكان آمن، لا في مساحة دفاع دائم. هو إدراكك أن الحب لا يُبنى على الشك، ولا الاحترام على الاستجواب، ولا الطمأنينة على التحقيق.

