في العلاقات الإنسانية، قد تكون اللغة الأكثر وجعاً هي تلك التي لا تُقال. عندما تُعاتب بنبرة هادئة، فيُفسّر عتابك إعلان حرب. عندما تُعبّر عن احتياجك بصدق، فيُؤخذ على أنه ضغط. وعندما تُصرّ على بقاء الود، فيُساء فهمك كأنك تُلوّح بالرحيل. “عندما يفهم همس عتابك بدء المحاكمة، ويفهم حرصك على بقاء الودّ أشبه بالعلاقة بين المطرقة والسندان… وعندما يُلقي عليك اللوم لاهتمامك المفرط، ويُستهان بعطائك، وتُهمّش مشاعرك، وتجد احتياجاتك خارج أولوياتهم… فعليك أن تعيد قراءة المشهد وصياغة محتواه من جديد، حتى لا تهدر وقتك في دور ثانوي لا يتناسب مع قيمتك. فحريّ بك أن لا تسمح أبداً بالتجاوز في حق شخصك. فحتماً سيُشعرونك بالعقاب على فيض حكمتك ورشد عقلك وطيب أصلك.” وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المشهد المقلق في العلاقات غير المتوازنة بعنوان ليس ضعفاً أن تُغادر حين يُساء فهمك… بل وعيٌ بالكرامة ، حيث تتحول الطيبة إلى عبء، والحكمة إلى تهمة. وذلك من خلال المقولة:
عندما يفهمُ همسَ عتابكِ بِبدءِ المحاكمة …
وَيَفهمُ حِرصَك على بقاءِ الودِّ أَشبهَ بالعلاقةِ بينَ المطرقةِ والسندانِ…
وعندما يُلقي عليكَ اللومُ لاهتمامِكَ المفرطِ…
ويستهان بعطائك.. وتُهَمش مشاعرك ..
وعندما تجدُ احتياجاتَك خارجَ أولويّاتهم…
فعليكَ أن تعيدَ قراءةَ المشهدِ وصياغةَ محتواه من جديد،
حتى لا تهدرَ وقتَكَ في دورٍ ثانويٍّ لا يتناسبُ مع قيمتِكَ
فحريٌّ بكَ أن لا تسمحَ أبدًا بالتجاوز في حقِّ شخصِك
فحتماً سيُشعرونَك بالعقابِ على فيضِ حكمتِكَ ورشدِ عَقلكَ وطيبِ أصلِك.
ليست كل الخيبات بسبب الأذى المباشر، بل أحياناً بسبب سوء الفهم العميق. أن يُفسّر صبرك على أنه ضعف، وحرصك على أنه ضغط، وخوفك على العلاقة على أنه تملك. تتعامل بلغة المشاعر، فيُرد عليك بلغة الحسابات. تُعطي بلا قيد، فيُؤخذ عطاؤك على أنه فرض. وهكذا، تتحوّل العلاقة من مساحة أمان… إلى مساحة تُجهد فيها لتشرح من أنت. فأقسى ما تمر به هو أن يُحمّلك الآخرون مسؤولية صدقك. أن يعاملوك وكأنك تُبالغ، لأنك تُفكر قبل أن تجرح، وتُراجع نفسك قبل أن تُعاتب، وتنتبه لتفاصيل لم يلاحظوها هم حتى في أنفسهم. فبدلاً من أن يُقدّروا حرصك، يُدينونه. وبدلاً من أن يُنصفوا مشاعرك، يتهمونك بالمبالغة.
حين تصل العلاقة إلى مرحلة تُصبح فيها مطالبك البسيطة عبئاً، فاعلم أن هناك خللاً في التوازن. حين تُصبح مشاعرك متهمة، ووجودك غير مرحب به إلا حين يُحتاج إليك، وحين يُنظر إلى اهتمامك كقيد، فهذه ليست علاقة… بل استنزاف عاطفي. ومن الذكاء العاطفي أن تُعيد قراءة هذا المشهد بصدق.
كثيرون يُريدونك حين تكون صامتاً، معطاءً، حاضراً بلا شروط. لكنهم لا يُجيدون التعامل معك حين تُطالب بحقك، حين تُعيد ضبط المسافات، حين ترفض أن تُهمّش مشاعرك. حين تُظهر لهم أن ما تُعطيه ليس افتراضاً، بل تقديراً… وأن التقدير إن لم يُقابل، سيتراجع. فمن الحكمة أن تعرف متى تُغادر الدور الثانوي الذي حُشرت فيه. ليس لأنك تبحث عن الصدارة، بل لأنك لا تستحق التهميش. لا تكن في علاقة تُشعرك أنك زائد، أو أنك تُبالغ، أو أن عليك أن تُنقص من نفسك لتُناسب ضعف إدراكهم لك. فالقيمة لا تُنتزع من الخارج، بل تُصان من الداخل.
المشهد الذي تحتاج لإعادة قراءته، هو ذاك الذي ترى فيه نفسك تُفسّر كثيراً، وتعتذر كثيراً، وتنتظر كثيراً، بينما الآخر يستهين بكل ما تفعله. المشهد الذي أصبحت فيه الضحية المتهمة، والحريص المكروه، والعاقل المُدان. هذا المشهد لا يُلغي كيانك فقط… بل يُشوّه مفهوم العلاقة كلها. فلا أحد يستحق أن تُعاقب من أجله على طيبتك. إن أصبحت حكمتك تُفسَّر على أنها برود، أو رُقيّك يُعتبر تصنّعاً، أو حضورك لا يُفتقد، فهذه ليست علاقة، بل محطة لتعليمك درساً مؤلماً عن الحدود. لا تُمهّد طريقك لهم أكثر مما يجب، ولا تُرهق ذاتك في محاولة استيعاب من لا يُجيد حتى الإصغاء لك.
أعد كتابة نص العلاقة من جديد. ضع حدوداً لا تُخترق، وأولوية لكرامتك، وإدراكاً حقيقياً لقيمتك. فمن لا يراك وأنت تُضيء، لن يُبصرك وأنت تنطفئ. ومن لم يشعر بك وأنت تُحسن… لن يتذكرك حين تُوجَع.
الخلاصة:
إن اعتبروا اهتمامك إزعاجاً… وطيبك عبئاً… فالمشكلة ليست فيك، بل في وعيهم.
أعد صياغة المشهد، وغيّر الدور، ولا تسمح أبداً أن تكون في الهامش… وأنت تستحق أن تُحترم في العمق.

