الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، والقلوب لا تسلم دوماً من الخدش، كما أن المشاعر لا تبقى نقية إلا إذا جُبرت برفق. وفي خضم تعاملاتنا اليومية، تُولد لحظات تستوجب التوقف والاعتذار، لا لأننا ضعفاء، بل لأننا بشر. نُخطئ، ننسى، نُرهق الآخرين أحياناً دون قصد. وهنا، يُظهر كل شخص جوهره الحقيقي. “الحياة لا تخلو من الأحداث والمواقف التي تتطلب الاعتذار، وفي تلك اللحظات يظهر ثلاثة أنواع من الشخصيات. من بينهم: أولئك الذين يفتقرون لثقافة الاعتذار، في حين يعتذر آخرون بدافع إنهاء المواقف فقط، وكأنهم ضحايا افتراءات. أما أصحاب النفوس الراقية والقلوب الطاهرة، فاعتذارهم يتسم باللطف والود، ينثرون به الطمأنينة على القلوب، ويطيبون به الخواطر فتجهش مشاعرهم بالود والتقدير. هؤلاء هم من تُضيء الحياة بوجودهم، وتُزهر الأيام بلقائهم… فطوبى لهم.” وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه المسافة الفاصلة بعنوان طوبى لمن اعتذر ليطيب الخواطر… لا ليُنهي الجدل ، بين من يعتذر لتجميل الصورة، ومن يعتذر ليطيب الخاطر حقاً، في المقولة:
الحياة لا تخلو من الأحداث والمواقف التي تتطلب الاعتذار،
وفي تلك اللحظات يظهر ثلاثة أنواع من الشخصيات.
من بينهم .. أولئك الذين يفتقرون لثقافة الاعتذار،
في حين يعتذر آخرون بدافع إنهاء المواقف فقط، وكأنهم ضحايا افتراءات.
أما أصحاب النفوس الراقية والقلوب الطاهرة، فاعتذارهم يتسم باللطف والود، ينثرون به الطمأنينة على القلوب، ويطيبون به الخواطر فتجهش مشاعرهم بالود والتقدير،
هؤلاء هم من تضئ الحياة بوجودهم، وتُزهر الأيام بلقائهم،
فطوبى لهم
الاعتذار ليس فقط جملة تُقال، بل سلوك داخلي ينمّ عن إدراك الخطأ، واعتراف به، وحرص على إصلاح أثره. من لا يملك شجاعة الاعتذار لا تنقصه اللغة، بل تنقصه النية. لأنه يرى أن التراجع اعتراف، والاعتراف ضعف. بينما النفس الناضجة تعلم أن الاعتذار شجاعة… لأنه لا يُقلل من الكرامة، بل يرفع من قدرها. الشخص الذي يفتقر لثقافة الاعتذار غالباً ما يعيش خلف مبرراته. يُحمّل الخطأ على الظروف، أو على الآخر، أو يختلق له تبريرات عقلية تُقنعه بأنه لم يُخطئ أصلاً. يعيش بذهنية “أنا دائماً على صواب”، وهي أخطر ما يُصيب العلاقات من تآكل. لأنه مع الوقت، يُنفر من حوله دون أن يشعر، وتُصبح كلماته جافة، ومواقفه مغلقة، وتواصله متشنجاً.
ثم هناك من يعتذر… لا ليرمم، بل لينهي الموقف. يعتذر من باب “المجاملة الاجتماعية”، أو لتفادي التوتر، أو لأنه لا يحب أن يُحرج، لكنه لا يُفكر في مشاعر الآخر، ولا يُصلح ما كُسر. اعتذاره بارد، مختصر، كأنما يُعبر عن استياء من الآخر، لا ندم من نفسه. وهذا النوع لا يُجدي اعتذاره، لأنه لا يُشعر الطرف الآخر أنه موضع تقدير… بل موضع تجاوز.
أما الطراز الأندر من البشر، فهم الذين يعتذرون بلطف. يعتذرون لأنهم يُحبون القلوب الصافية، لأنهم يخافون أن يكونوا أثقلوا على أحد، لأنهم يعرفون أن الكلمة القاسية لا تُمحى بسهولة، وأن الجرح قد يبقى طويلاً إن لم يُعتنَ به. هؤلاء لا يعتذرون لأنهم مُضطرون، بل لأنهم حريصون. يتحدثون باعتذار يضمد، لا يُبرر فقط.
الاعتذار الصادق يُقال من القلب، ويصل إلى القلب. لا يحتاج إلى لغة معقدة، بل إلى نبرة حقيقية، ونية مُخلصة، واهتمام صادق. حين يعتذر أصحاب القلوب الطيبة، تشعر وكأنهم يُمسكون يدك ويُعيدون إليك احترامك، يرفعون عنك عبء الشعور بالتهميش أو الظلم، يُعيدون ترتيب العلاقة على أساس جديد: أساس يُقدّرك، ولا يُكابر عليك.
من يعتذر بود، هو من يعرف أن الكلمة تُحيي وتميت. يعرف أن بعض العثرات الصغيرة تُبقي مسافة طويلة إن لم تُجبَر، وأن الاعتذار ليس إذلالاً، بل تربية، وأدب، ووعي. يعرف أن كبرياءه لا يُهدَد حين ينحني ليقول: “أخطأت”. بل على العكس، يزيده احتراماً في نظر نفسه قبل غيره. وهؤلاء الأشخاص الذين تعتذر قلوبهم قبل ألسنتهم، هم من تُزهر الحياة بلقائهم. وجودهم ليس كثيفاً، لكنه مؤثر. هم البلسم في محيطٍ قاسٍ، وهم الضوء حين تشتد العتمة، وهم الذين تُذكرهم دوماً عند حديثك عن “الناس الذين يشبهون النقاء”. فطوبى لهم، لأنهم لا يتركون خلفهم ندبة… بل أثراً طيباً يدوم.
في زمنٍ بات فيه التراجع يُفسَّر ضعفاً، والاعتذار يُؤخذ مأخذ التهكم، فإن من يُحافظ على هذه الثقافة، هو في الحقيقة يُحافظ على نبض الإنسانية. هو من يُربّي من حوله بلطافة، ويُوقظ فيهم صوت الضمير، ويجعلهم يُعيدون النظر في معنى “المروءة” التي لم تعد تُستخدم كثيراً.
الخلاصة:
القلوب التي تعتذر بلطف لا تُرمم الجراح فحسب… بل تُعيد للمواقف إنسانيتها.
فلا تستكثر الاعتذار، ولا تُقلل من قيمته…
وإن رزقك الله بمن يعتذر لك من قلبه، فاحفظه… فطوبى له، وطوبى لقلبك لأنه عرفه.

