Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

حين لا تُجدي محاولاتك… دع الله يُدهشك بتدبيره

في لحظات كثيرة من حياتنا، نُحاول أن نُمسك بالخيوط، أن نُعيد ترتيب الفوضى، أن نُصلح ما انكسر، أن نُعيد الزمن إلى مساره المثالي كما نحلم به. لكن ما إن نبدأ المحاولة، حتى نُفاجأ بأن بعض الأمور لا تسير كما خططنا، ولا كما تمنينا، ولا كما سعينا. “ما بين الحين والآخر تصيبنا فوضى في حياتنا على جميع الأصعدة، ونثابر في إعادة ترتيبها… لكن قد نخفق! إخفاقنا يعود بسبب عدم بصيرتنا في الأمور كلها. حتماً سيدهشك الله سبحانه وتعالى ويتولى تدبيرها بحكمته، فهو حسبنا وهو نعم الوكيل. وتذكّر دائماً قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ و﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران]” وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المفهوم العميق في التسليم والتوكل بعنوان حين لا تُجدي محاولاتك… دع الله يُدهشك بتدبيره، حين لا تعود حيلتنا نافعة، وتكون الحكمة في أن نُفسح لله ما ضاق به تدبيرنا، عبر المقولة:

 

ما بين الحين والأخر تصيبنا فوضى في حياتنا على جميع الأصعدة

ونثابر في إعادة ترتيبها .. لكن قد نخفق !!

اخفاقنا يعود بسبب عدم بصيرتنا في الأمور كلها

حتما سيدهشك الله سبحانه وتعالى ويتولى تدبيرها بحكمته .. فهو حسبنا وهو نعم الوكيل

وتذكر دائماً قوله

(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) 128 آل عمران 

(إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) 154 آل عمران 

 

الفوضى لا تعني أن شيئاً ما انكسر فقط، بل تعني أن جزءاً من التوازن الداخلي اهتز. تتساءل: لماذا حدث هذا؟ كيف انقلب كل شيء فجأة؟ لماذا لا تُجدي خططي؟ وتبدأ في الترميم، بكل ما أوتيت من عزيمة. لكنك تُفاجأ بأن الترميم ذاته يُرهقك أكثر، وكأنك تُعيد ترتيب الماء بين يديك. هنا، يبدأ صوت داخلي يهمس: “ماذا لو لم يكن هذا شأني أصلاً؟” ، فنخطئ أحياناً حين نظن أن كل شيء في أيدينا. نُخطئ حين نعتقد أن إتقاننا للتخطيط، وإحكامنا للسيطرة، كفيل بمنع الألم أو الخسارة. بينما الحقيقة أن التدبير الإلهي لا يُقاس بمقاييسنا، وأن الحكمة الإلهية لا تُرى إلا بعد حين. ولعل إخفاقك اليوم… هو حماية مما كنت تظنه خيراً. ولعل ارتباكك الحالي… هو بوابة لطريق لم تكن لتسلكه لولا هذه الفوضى.

حين يُربكك الواقع، وتضيع بوصلتك، قف قليلاً واسأل نفسك: هل أنا أُدير هذا وحدي؟ هل أنا أتوكل أم أُكابر؟ هل أنا أُسلّم الأمر أم أُصِر أن يحدث كما أريد؟ حينها .. ستكتشف أنك في كثير من المرات، لا تُقاوم الفوضى بوعي، بل بغرور. ظننت أن الصواب لا بد أن يُشبه خطتك، بينما الصواب قد يكون في غير ما خططت.

قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وهذا في جوهره تربية إلهية للأنبياء قبل الناس، ليُدركوا أن التدبير ليس امتيازاً بشرياً. وأن الأمر إذا آل إلى الله، فهو أولى وأرحم وأعلم. هذه ليست دعوة للكسل، بل دعوة للتوازن: أن تبذل ثم تسلّم. أن تخطط ثم تتوكل. أن تُدير ما بيدك، وتُدرك أن بعض الأمور، إن خرجت عنك… فهي خرجت لحكمة، لا لإهانة.

الخوف من الفوضى يأتي لأننا نربط بين الاستقرار والسيطرة. نعتقد أن الأمور إن لم تكن تحت سيطرتنا فهي بالضرورة تسير نحو الأسوأ. بينما الله، حين يُفسد عليك خطة، قد يكون بذلك ينقذك. وحين يُبدّل وجهتك، قد يكون يُمهّد طريقاً أفضل. فقط لأنك لا ترى الصورة الكاملة، تظن أن الانكسار خسارة… بينما هو إعادة تشكيل لطريق أجمل. وكم من أناسٍ بكوا على أمرٍ فاتهم، فإذا بهم يُدركون بعد أشهر أو سنوات أن ما فاتهم، هو ما نجاهم من الأسوأ. وأن الحزن الذي أنهكهم، هو ما هيأهم للقادم. وأن الخيبة التي أطفأتهم، هي ما أوقدت فيهم نوراً جديداً. فوضى الحياة ليست نهاية، بل بداية حقيقية لإعادة النظر في نفسك، في علاقتك مع الله، في قراراتك، في علاقاتك، في كل شيء.

“حسبنا الله ونعم الوكيل” ليست فقط دعاءً عند المصيبة، بل فلسفة حياة. أن تؤمن بأن الله لا يتركك في منتصف الطريق، وأنه يُمسك بزمام ما عجزت عنه، وأنه يُربّت على قلبك بطرق لا تفهمها حينها، لكنك تشعر بطمأنينة غريبة، لا تفسير لها سوى أنه معك. وفي لحظةٍ ما، ستهدأ كل فوضاك، لا لأنك أعدت ترتيبها، بل لأنك تركت الله يُرتّبها بطريقته. وما أعظم قول الحق: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. فحين تنام على هذه الآية، تصحو بقلبٍ أقل اضطراباً. وحين تُرددها في كل موقفٍ لم تفهمه، يبدأ داخلك في التقبّل، في التخفف، في الرضا. لأنك حين تُسلّم، لا تُضعف، بل تُقوّي نفسك بالتوكل، وتُعيد بناءك على أساس متين لا يهتز مهما اهتزّ العالم حولك.

 

الخلاصة:

حين تتسع الفوضى… لا تُقاومها وحدك. سلّمها لله، فبصيرته أوسع من بصيرتك، وتدبيره أصدق من تخطيطك.
وإن أخفقت، لا تحزن… فربك يُدبر، وستندهش حين ترى كيف تُرتّب الحياة حين تُسلّمها بصدق.

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد