Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

اختر مكانك بنفسك… ولا تنتظر من يفسح لك الطريق

هناك لحظات في الحياة لا يُحدد فيها مصيرك أحدٌ سواك. ليس المجتمع، ولا الظروف، ولا حتى المحيط القريب منك. لحظاتٌ تدرك فيها أن نظرتك إلى نفسك هي المفتاح لكل شيء: لفرصك، لحضورك، لكرامتك، وحتى لصوتك في المجالس. كثيرون يشعرون أن الحياة قاسية، أو أن المجتمع غير منصف، أو أن الآخرين لا يمنحونهم الفرصة. ولكن، قبل أن نُدين العالم، علينا أن نراجع أنفسنا. “عندما تنتقص من قيمتك وتقلل من قدراتك وثقتك بنفسك، فلا تلوم المجتمع بأنه غير معطاء… فأنت من اخترت لنفسك المقعد الاحتياطي.” وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا الجانب المؤلم من التهميش الذاتي بعنوان اختر مكانك بنفسك… ولا تنتظر من يفسح لك الطريق، حين لا تكون ضحية الخارج… بل قرارك الداخلي الذي وضعك في الخلف طوعاً، من خلال المقولة:

 

الخيبات غير المتوقعة .. نتيجة للتوقعات الخائبة !!

فأحرص أن تكون توقعاتك مبنية على سلوكياتهم،

وليس وفقاً لصورتهم في ذهنك ..

فما يمثلهم هو .. سلوكياتهم ،، أما صورتهم .. فأنت من رسمتها لهم ،،

لذا يجدر بك أن تُحسِن التقاط الصورة الصحيحة !!

ليس كل من جلس في المقعد الاحتياطي أُجبر على ذلك، كثيرون ذهبوا إليه بأقدامهم، حين صدّقوا أن صوتهم لا يكفي، وأن قدراتهم أقل، وأن الأضواء خُلقت لغيرهم. حين يتكرّر في داخلك: “أنا لا أستحق”، “لستُ مثلهم”، “أفضل أن أراقب فقط”، فأنت بذلك لا تكتفي بالمقعد الخلفي، بل تُبعد نفسك عن كل مشهد كنت تستحق أن تكون في وسطه. والمشكلة أن هذا يحدث بصمت… دون أن تشعر.

الثقة بالنفس ليست صخباً، بل قرار داخلي بأنك كافٍ، وأنك تملك ما يستحق أن يُسمع. حين تتحدث وتُصغي لنفسك قبل الناس، حين تتقدم حتى وإن خفت، حين ترفض أن تكون ظلاً لأحد. أما من يختار الاختباء خوفاً من النقد، أو يقبل التهميش لأنه لا يريد الإحراج، أو يتنازل عن أحلامه لأن الآخرين لا يؤمنون به… فهو من رسم لنفسه دائرة التكرار، وتنازل عن وجوده الفعلي في الحياة. فالمجتمع لا يُعطي الفرص لأحد… هو يختبر من يجرؤ على التقدم. فإن جلست في المقعد الاحتياطي، لن يأتي أحد ليقول لك: “تفضل إلى الأمام”. لا أحد يرى مَن يُخفي نفسه، ولا أحد يحتفي بمن يعتذر عن نفسه. وحتى إن كان فيك خير كثير، فإن العالم لا يقرأ النوايا، بل يشاهد المواقف. فإن لم تُقدّم نفسك كما تستحق، فستُقدَّم كما قَبِلت.

كثيرون يمتلكون الموهبة، ولكن لا يمتلكون الجرأة. يمتلكون العمق، لكن لا يُظهرونه. يخافون من قول: “أنا أستحق”. فتراهم دوماً في المقاعد الجانبية، يُفسحون المجال لغيرهم، ويتراجعون حين يُطلب رأيهم، ويتحدثون لأنفسهم أكثر مما يتحدثون أمام الناس. ومع مرور الوقت، لا يعود الأمر تواضعاً… بل يصبح انسحاباً من الحياة. يصبح نمطاً يبرّرونه بأنهم “يحبون الصمت”، بينما الحقيقة أنهم اعتادوا التهميش، حتى صدّقوه.

اختيارك لنفسك مقعداً خلفياً لا يعني أنك لا تستحق، بل يعني أنك لم تُجرّب. لم تُجرّب أن ترفع صوتك، أن تُصِر على مكانك، أن تطرح فكرتك، أن تقول: “أنا أستطيع”. وإن لم تُعطِ لنفسك هذه الفرصة، فلن يمنحك إياها أحد. لأن الناس يتعاملون معك وفق الصورة التي تصنعها لنفسك. فإن كنت دوماً المنسحب، فسيتعاملون معك كمجرد مكمل. وإن كنت حاضراً وهادئاً وواثقاً… فسيُصغون لك ولو تكلمت قليلاً.

القيمة الذاتية لا تُنتزع من الخارج، بل تُمنح من الداخل أولاً. فلا تنتظر أن يمنحك المجتمع ما لم تطلبه. لا تلُم الناس لأنهم لا يختارونك، وأنت لم تُقدّم نفسك أصلاً. لا تغضب إن لم يُشِر إليك أحد، وأنت من خفض رأسه في أول الصف. وحتى حين تُخطئ، فإن الخطأ في المقدمة أرحم من الصواب في الظل. لأن الذين يتقدمون يُخطئون ويتعلمون ويُلاحظون… أما من يبقون في المقاعد الجانبية، فلا يُخطئون ولا يُلاحظون.

نحن لا نولد أقوياء، بل نصير كذلك حين نتجاوز خوفنا من الرفض. حين نُصرّ على أن نعيش كما نُريد، لا كما يُرضي الآخرين. حين لا نخشى أن نُطالب بحقنا في الظهور، وفي الاعتراف، وفي الإنجاز. لا بأس أن تخشى، لكن لا تسمح لهذا الخوف أن يُعيدك دائماً إلى الوراء. لا بأس أن تتعثر، لكن لا تجلس حيث سقطت. لأنك إن فعلت، فإنك لا تكتفي بالجلوس… بل تتقن الغياب عن كل شيء.

وكم من طيبٍ عاش في الظل لأنه ظن أن النور لا يليق به! وكم من صاحب فكر اختبأ لأنه خشي أن لا يُفهم! وكم من موهوبٍ لم يُمنح فرصة لأنه لم يطلبها! إن كل لحظة تُشكّك فيها بنفسك، هي خطوة نحو المقعد الاحتياطي. فإما أن تُبدّل صوتك الداخلي، أو تتقبل أنك لن تُرى أبداً كما أنت.

 

الخلاصة:

الحياة لا تُكرم الصامتين عن أنفسهم. لا تلُم المجتمع لأنه لم يُعطِك، وأنت لم تطلب.
إن كنت تستحق، فقلها لنفسك أولاً… ثم قف في أول الصف، وثق أن الحياة تُفسح الطريق لمن قرر أن يكون حاضراً.

 

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد