Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

من لم يدرك صبرك .. لا يستحق بقاءك

من المؤلم أن تُفسّر طيبتك على أنها ضعف، وأن تُحمّل محاولاتك الصادقة في الحفاظ على علاقةٍ تحيطها الهشاشة أو قلة الوعي. أن يُنظر إلى تمسّكك كذنب، وإلى صبرك كعجز. لكن الحقيقة أن محاولاتك المستمرة للتمسك بعلاقة رغم أنها لا ترضيك… ليست ضعفاً منك ولا علّة، ولكنها تُظهر أصلك الطيب والذي لم يتفهمه الطرف الآخر من خلال النقص الذي بداخله، والذي يتستر عليه بقناع الكمال والعصمة. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذه المفارقة العاطفية التي يعيشها النبلاء في العلاقات بعنوان من لم يدرك صبرك .. لا يستحق بقاءك، والخذلان الذي يختبرونه حين تُساء نواياهم، من خلال المقولة:

 

محاولاتك المستمرة للتمسك بعلاقة رغم أنها لا ترضيك .. ليست ضعفاً منك ولا علة

ولكن.. يظهر ذلك اصلك الطيب والذي لم يتفهمه الطرف الاخر

من خلال النقص الذي بداخله والذي يتستر عليه بقناع الكمال والعصمة

حين تحاول إنقاذ علاقة لا تُرضيك، فأنت لا تُكافئ الأذى، بل تُقاوم فكرة الخسارة. لا لأنك لا ترى العيوب، بل لأنك تُراهن على الأمل. لأن قلبك ما زال يصدّق أن النوايا النقية تُغيّر، وأن الصدق يُصلح، وأن الصبر يؤتي ثماره. لكن المشكلة أن الطرف الآخر لا يرى كل هذا… لأنه يظن أنك باقٍ لأنك لا تستطيع المغادرة، لا لأنه يستحق أن تبقى. فالذين يرتدون قناع الكمال يُرهقون كل من يقترب منهم، لأنهم لا يعترفون بخطأ، ولا يُراجعون أنفسهم، ولا يُبادرون بالاعتذار. بل يُلقون باللوم دائماً على الآخر. وفي علاقتك معهم، تصبح أنت المتهم الدائم، والمطلوب منك أن تشرح، وتبرر، وتُثبت. ومع الوقت، تبدأ تشك في طيبتك، في نيتك، في اختياراتك… بينما المشكلة لم تكن فيك، بل في من لا يرى إلا صورته المصقولة أمام الآخرين.

عقدة النقص حين تتوارى خلف قناع العظمة، تُنتج علاقات مُربكة. علاقات يُطلب منك فيها أن تُخفض من نفسك كي يشعر الطرف الآخر أنه أعلى. أن تتنازل كي لا يبدو مخطئاً. أن تصمت كي لا يُحرج. وكلما حاولت التقارب، قوبلت بالتشكيك. وكلما وضّحت، قوبلت بالاتهام. حتى تُرهق، وتبدأ بالتساؤل: لماذا أتمسك؟ والجواب ببساطة: لأن أصلك طيب، لأنك لا تُحب الخسارة، لأنك لا تريد أن تُعامِل بالمثل. لكن ما لا يجب أن يغيب عنك هو أن العلاقة التي تُرهقك من طرف واحد ليست اختباراً لوفائك، بل تآكلٌ تدريجي لسلامك النفسي. وكل مرة تُحاول فيها دون تجاوب، تُنزف من الداخل دون أن يشعر بك أحد. لأن الطرف الآخر إن لم يُدرك قيمتك، سيبقى يطلب المزيد، حتى وإن كان على حسابك.

ليس عيباً أن تُحاول، لكن الخطأ أن تستمر في المحاولة بينما لا أحد يُقدّر. أن تُمنح بلا توقف، ثم تُحاسب على أنك “مُرهق”، “مُتغير”، أو حتى “أناني”. فكلما حاولت الإصلاح، فُسّرت محاولتك على أنها إلحاح، وكلما تمسّكت، وُصف تعلقك بالضعف. والنتيجة؟ تهمة مضافة فوق محاولتك، وحُكم ظالم فوق صبرك. فالعلاقات لا تُقاس فقط بما تبذله، بل بما يعود إليك. فإن لم تعد إليك الراحة، ولا التقدير، ولا المشاركة… فتمسّكك يُصبح انتحاراً ناعماً. والذين لا يرون طيبتك إلا ضعفاً، لن يُنصفوك حين تتوقف. بل سيقولون: “كان يُجامل”، “كان مصلحياً”، “أراد أن يُظهر نفسه مثالاً.” في النهاية، لن يُنصفوك حتى لو انفجرت من الداخل.

في كل محاولة تبذلها، احسب الثمن. هل أنت تفقد احترامك لذاتك؟ هل صرت تُخفي مشاعرك الحقيقية؟ هل أصبحت تُصغّر نفسك لتُناسب عيونهم؟ إن كان الجواب نعم، فقد آن الأوان أن تُراجع اختياراتك. فالأصل الطيب لا يعني أن تُسلم نفسك لكل من يُجيد التمثيل، أو يتقن تزيين عيوبه بادّعاء العصمة.

وتذكّر دوماً: المغادرة في الوقت المناسب ليست خيانة لما كنت عليه، بل إنصاف لما يمكن أن تكون عليه. لا تُبالغ في إثبات حبك، على حساب احترامك. ولا تُهدر كرامتك لتُثبت أنك وفيّ. الطيب لا يبرر له الناس حين يُنهك، بل يُقال عنه لاحقاً: “كان جيداً… لكنه هو من اختار أن يُرهق نفسه.”

 

الخلاصة:

التمسّك لا يُثبت الطيبة إن كان يُهدر كرامتك.
ومن لا يرى في عطائك إلا نقصه… لا يستحقك.
كن صادقاً، لا مُنهكاً. كن وفياً، لا ضحية.

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد