في هذا العالم المزدحم بالأقنعة، لا يُؤذيك من يختلف معك علناً بقدر ما يؤذيك من يتربّص بك خفيةً، من يُخفي اعوجاج قلبه تحت ستار المجاملة، من يُتقن الحضور في ثياب الصديق بينما يتلصص على عثراتك كي يُسقطك حيث لم تتعثر أصلاً. أولئك لا تؤلمك ألسنتهم، بل نواياهم. لا يُخيفونك بكلماتهم، بل بهشاشة قلوبهم أمام استقامتك. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المشهد النفسي والروحي بعنوان من مكر الناس إلى تمكين الله… الرحلة الصامتة للأقوياء، في مقولتي:
“لا تخشَ إلا ممن استقامة ظلك تُحني ظهورهم، وتمسّك بمراد الله منك، ولا تلتفت لاعوجاجهم، فحيلهم لا تزيدك إلا تمكيناً. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]”
الاستقامة ليست تحدياً لأحد، لكنها تُخيف أصحاب النفوس الملتوية؛ لأنك حين تسير بثبات، تُشعرهم بأن اعوجاجهم ظاهر، وأنهم يحتاجون لحيلة كي يُخفتوا نورك لا لأنك تؤذيهم، بل لأنك ببساطة “واضح”. والوضوح في النفوس النقية يُربك أصحاب الظلال، لأنهم اعتادوا أن يسيروا بين الفجوات، لا في النور. فلا تعجب إن تحوّل صمتك إلى تهمة، وإن فُسرت طيبتك على أنها تمثيل، وإن اتُّهمت بأنك تخفي شيئاً… فقط لأنك لا تُشبههم.
أشد الناس مكراً ليسوا من يُعلنون عن عداوتهم، بل من يبتسمون في حضورك، ويغتالونك في مجالس الغياب. من يظهرون في كل محنة على أنهم داعمون، ثم يتكفّلون بصياغة الرواية التي تُسقطك. لكن ما لا يفهمونه أن الله حين يحب عبداً، يُظهر كيدهم على ألسنتهم، ويُحوّل مكرهم تمكيناً له، فيُرفع مقامه كلما حاولوا إسقاطه. لأن الطيبين لا يُنصرون بكثرة الحيل، بل بنقاء السريرة، ومنطق الاستقامة. فالقلوب التي تكرهك لأنك نقي، لا تُواجهها بالسخط، بل تُواجهها بالثبات. لأن الله حين يُريد أن يُمهّد طريقك، يجعل كل مكيدة سهماً يرتد في نحر صاحبها. ربما لا ترى ذلك فوراً، لكنك إن صبرت، رأيت كيف أن من حفَر لك حفرة… وقع فيها، وكيف أن من ظنّ أنه يُحاصر خطواتك، إنما يُوقِظ داخلك وعياً جديداً، ويدفعك إلى تمكينٍ لم تكن لتبلغه لولا أذاه.
لا تُجهد نفسك في شرح براءتك لمن يتعمد ظُلمك، ولا تُبدد وقتك في إقناع من قرّر أن لا يفهمك. فقط تمسك بمراد الله منك، وامضِ. لا لأجل الانتقام، بل لأجل نفسك التي تستحق أن تعيش في مساحة لا تتلون بالريبة والخذلان. ما يُحرّكك ليس الانتقام، بل السعي إلى الطمأنينة، إلى الانسجام مع ذاتك، ومع الحق، ومع الله الذي يرى ويسمع ويدبر الأمور. وكلما حاولوا إرباكك، تذكّر أنك على طريق الصدق، ومن كان على هذا الطريق، كان الله معه.
التعب الحقيقي لا يأتي من مواجهة الشر، بل من محاولة إقناع أصحابه بأنك لا تستحقهم. وهذا هو الفخّ الأكبر: أن تُصبح مشغولاً بإثبات نقائك أكثر من ممارسة حياتك. لذلك، فإن التجاوز هو أعلى مراتب القوة: أن تدرك أذيتهم، ولا تسمح لها بأن تُقيم داخلك. أن ترى كيدهم، ولا تُحوّله إلى نية للرد، بل إلى دعاء، إلى وعي، إلى رفعة. وما أجمل الوعد الرباني في قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. لأن الله لا يردّ المكر بمثله، بل يرده بعدلٍ يليق بجلاله، وبإحاطة لا يُدركها عقل. فلا تخف من المكر، بل خف على نفسك إن فقدت صبرك في مواجهته. واذكر دوماً أن تمكين الله لا يأتي بالرد على كل كلمة، بل بالصمت، بالتجاوز، وبالتسليم له. وكلما زاد المكر، اقترب النصر.
السلام النفسي لا يكون في نُصرة نفسك دائماً، بل في إدراك أن الله ينصرك بطريقة أنقى مما كنت تتمنى. في أن تُؤذى فلا ترد، وتُتهم فلا تنهار، وتُخذل فلا تتبدّل. في أن تعيش بشفافية رغم ضباب العالم، وتسير باستقامة رغم كل تعرجاتهم، وتُبقي قلبك حياً رغم كل ما فقد. وهذا هو التمكين الحقيقي… أن تبقى إنساناً، رغم كل من حاول أن يُطفئ نورك. العلاقات المسمومة لا تحتاج حرباً… بل انسحاباً. لا تُحارب من يُخفي لك الحسد، فقط انسحب، واتركه مع مكره، فإن قلبه سيمرّ بكل ما أرسل إليك من ضيق. هذه سنة الحياة: من أراد بالناس سوءاً، أعاد الله سوءه عليه. وكل حيلة تُدبَّر في الخفاء، تُرفع أمام الله في العلن، ويُحكم فيها، ولو بعد حين.
الخلاصة:
لا تخشَ حقد القلوب الملتوية، فحيلهم لن تُصيبك إلا تمكيناً، إن تمسكت بمراد الله منك.
ولا تتوقف عند اعوجاجهم… فكل طريق فيه النور، يُحرج الظلال… ويُفضح أهلها.

