Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

في لحظة التخطي… تُولد نسختك الأقوى

هناك لحظات تُغيّر مسار حياة كاملة. لحظات لا تُعلن عن نفسها بصخب، لكنها تُولد من هدوء داخلي يشبه التوقّف عن التوسّل العاطفي، وعن التبرير المستمر، وعن الإلحاح في البقاء في أماكن لا تُشبهك. إنها لحظة التخطي. تلك اللحظة التي لا تحدث فجأة، بل تتشكل ببطء، من مواقف خذلان، ومن تراكمات إنكار، ومن أحاديث داخلية كلّما حاولت إسكاتها زادت وضوحاً. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا النوع العميق من التحوّل النفسي والوجداني بعنوان في لحظة التخطي… تُولد نسختك الأقوى ، من خلال المقولة:


“من أعظم اللحظات التي يمر بها الإنسان لحظة التخطي… تخطي مواقف الخذلان ولحظات الانكسار، تخطي شعور الحزن، تخطي الأحلام الزائفة والأشخاص الباهتة. لحظة التخطي تأتي عندما تكف عن تبرير أذيتهم لك، وتغادر بعدما اقتنعت أنك تستحق أن تعيش دون إرهاق التبرير، وتقرر أنك لن تسمح لأحد باستنزاف مشاعرك وطاقتك. في التخطي… تعافٍ. عافانا وعافاكم الله.”

لحظة التخطي لا تكون لحظة قرار خارجي، بل لحظة سلام داخلي. تُدرك فيها أن كل التفسيرات لن تُغيّر الوقائع، وأن كل محاولاتك في الإصلاح لم تكن متبادلة، وأن الاستمرار في المعاناة أصبح شكلاً من أشكال إنكار ذاتك. في تلك اللحظة، لا تشعر بالقوة أولاً، بل بالفراغ. لكن هذا الفراغ هو المساحة الوحيدة التي تتيح لك أن تتنفس مجدداً، أن تتخلى عن الحمل العاطفي، وأن تتوقف عن أن تكون مسؤولاً عن علاقتين: علاقتك بنفسك، وعلاقتك بمن لا يعرف كيف يبادلك.

التخطي لا يعني أن لا تتألم، بل يعني أنك لم تعُد تُقاتل لتبقى في مكان يُؤلمك. أنك تعترف أن الكرامة لا تُبنى على الصبر على الإهانة، وأن الاستمرار لا يكون دائماً وفاءً… بل ضعفاً. التخطي هو الامتناع عن خوض الحوارات العقيمة، والابتعاد عن منطق “ربما يتغيّر”، والإقلاع عن محاولة تلميع الوجوه التي جرحتك. هو لحظة تُسلّم فيها بأن السلام أهم من التفسير، وأن الانسحاب لا يعني الهزيمة… بل احترام النفس.

من يصمت كثيراً في العلاقة، ويبرر كثيراً، ويغفر أكثر مما يُحتمل، هو من يبلغ التخطي بطريقة موجعة. لأنه حين يُغادر، لا يترك فقط العلاقة، بل يترك جزءاً منه تعلّق، وآمن، وحلم. لكنه يكتشف أن الحلم وحده لا يكفي، وأنك حين تُعطي أكثر مما تستقبل، تتحول بمرور الوقت إلى نسخة باهتة منك. التخطي هو الرجوع إلى ذاتك الحقيقية، لا إلى نقطة الصفر.

الأشخاص الباهتون لا يُؤذونك بعنف، بل يذوّبونك بهدوء. لا ينسحبون، لكنهم لا يتواجدون. لا يجرحونك بالكلمات، لكنهم يخذلونك بالصمت، بالتأجيل، بالتغييب المتكرر، بالإحساس أنك غير مرئي. وهنا، تبدأ في تبرير وجودك لهم. تقول: “ربما منشغل، ربما يخاف الاقتراب.” وكل “ربما” تمنحهم إياها، تُخصم من يقينك أنك تستحق علاقة واضحة. وحين تتعب من كل هذا، تعرف أن التخطي ليس تخلياً عن شخص… بل عن وهم علاقتك به.

التخطي لا يعني الكره، ولا يعني الانتقام، بل يعني أنك لم تعُد ترى القيمة في التفسير. أنك أدركت أن من لا يُقدّرك صامتاً، لن يفهمك متحدثاً. وأن من لا يُطَمْئنك بوجوده، لن يُقنعك بحجته. في التخطي، لا تحتاج إلى أن تُثبت شيئاً. فقط تتراجع خطوة، لتضع كل شيء في مكانه الطبيعي: هذا الشخص لم يكن كما اعتقدت… وأنت لم تُخلق لتبقى في علاقات تُشبه الألم أكثر مما تُشبه الحب.

السلام الداخلي الذي يُصاحب لحظة التخطي لا يأتي من أنك استعدت قوتك فقط، بل من أنك استعدت احترامك لنفسك. أنك لم تعُد تعتذر عن مشاعرك، ولا تُبرر احتياجك، ولا تُبرم ميثاقاً جديداً مع كل خذلان. أنك قررت ألا تُرهق نفسك في إصلاح شيء لا يريده الطرف الآخر أن يُصلح. وهذا أعظم ما يفعله التخطي: أنه لا يُعيدك إلى الوراء، بل يدفعك إلى الأمام… حتى لو ببطء، حتى لو بثقل.

العلاقات المرهقة لا تنتهي فجأة، بل تنتهي كل مرة تُضطر فيها إلى تبرير ما لا يُبرر. وكل مرة تعفو فيها وأنت مكسور، وكل مرة تُفسّر فيها نفسك وكأنك متهم. حتى تصل إلى النقطة التي تقول فيها: “كفى.” كفى تأجيلاً، كفى تطبيعاً مع الأذى، كفى تحمّلاً لا يُقابل بفهم. التخطي هو أن تضع نقطة أخيرة بعد كثير من الفواصل، أن تتوقف عن المراوحة، أن تنظر إلى المرايا وتقول: “أنا أستحق ما هو أفضل.”

في التخطي، لا شيء يُشبهك كما تُشبهك نفسك الجديدة: الصامتة، الواثقة، المتصالحة. تلك التي لم تعُد تُطارد، ولم تعُد تنتظر، ولم تعُد تستنزف نفسها في احتمالات لا تنضج. وتلك النفس، التي تتألم بصمت… لكنها هذه المرة لا تنتظر العودة، بل تحتفل بالبُعد.

 

الخلاصة:

التخطي ليس تخلياً عن الآخرين، بل عودة حقيقية إلى الذات. فلا تُنهك نفسك في تبرير الألم، ولا تُطِل الوقوف عند العلاقات التي لا تنمو.
في التخطي… تعافٍ، واستحقاق، وسلامٌ لا يُقدّر بثمن.

 


د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد