Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

من خيباتك يولد وعيك… ومن أوجاعك تُبنى نسختك الأرقى

قد لا يولد النضج من الكتب، ولا ينبثق الفهم العميق من الهدوء فقط، بل من لحظة خذلان، من صدمة لم تكن بالحسبان، من انسحاب أحدهم دون مبرر، من عتاب لم يُفهم، أو من تضحيات لم تُحتَرم. في مسيرة كل إنسان، تمر به تلك اللحظات التي تُعيد صياغته من جديد، لا لأنها علّمته شيئاً جديداً، بل لأنها كشفته لنفسه، وعرّفته على تلك النسخة الصامتة داخله التي لم يكن يعلم أنه يحملها. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” بعنوان من خيباتك يولد وعيك… ومن أوجاعك تُبنى نسختك الأرقى ، هذا البعد التحولي العميق في النفس الإنسانية من خلال المقولة:


“الفارق بينك وبين نسختك التي تسمو بالإنسانية لشخصك، هو أن تجعل تجارب خذلانك المؤلمة بطبيعتها… قصص إلهامك، لتدرك عمق قوتك وحقيقة قيمتك سعياً لتحقيق سلامك النفسي.”

الخذلان لا يتركك كما كنت، يُمزق فيك أجزاء من الثقة، ويُعيد ترتيب عالمك الداخلي بطريقة مؤلمة. لكن ما لا يراه الكثيرون هو أن كل خذلان يحمل في طيّاته دعوة للارتقاء، وإشارة لتصحيح المسار، ومحطة للعودة إلى الذات. من ظنّ أنه يعرفك ثم خذلك، قد يكون هو من كشف لك أنك لم تعرف نفسك بعد. لأنك كنت تمنحه أكثر مما يليق، وتضعه في مقام أكبر من حقيقته، وتُعلّق عليه آمالاً ليست من حقه أصلاً. والخذلان هو اللحظة التي تتعافى فيها من وهمك، قبل أن تتعافى من وجعك.

هناك نسختان من كل شخص: الأولى هي من يسير بها في الحياة بناءً على التجربة والعادة، والثانية هي التي تُولد من رحم الألم، وتُبنى من الصمت العميق، وتُصاغ من شعورك بالخذلان حين لا يُفسَّر، وبالوحدة حين لا تُبرر، وبالخسارة حين لا تُعوّض. النسخة الثانية لا تكون متاحة إلا حين تسقط الأقنعة من حولك، وتخسر مَن ظننت أنك لا تستطيع العيش بدونهم، وتنهض بعدها لا لأنك بخير… بل لأنك فهمت. فهمت أن السلام النفسي لا يُشترى من الآخرين، بل يُنتزع من داخلك حين تُقرّر أنك لن تُكمل الطريق بذات القلب المرهق.

الذين يُطعنون في ثقتهم بالناس غالباً لا يُصبحون أكثر وعيا، بل أكثر قسوة. لأنهم حين اختبروا الخذلان، فهموا أن الطيبة لا تعني التفريط، وأن التضحية يجب أن تُقابل بالاحترام، وأن من لا يراك وأنت تُنير له الطريق، لن يراك حين تطفئ شمعتك. وحين يترسّخ هذا الوعي، تبدأ مرحلة “النقل النوعي للنفس”: حيث لا تعود تُجامل على حساب كرامتك، ولا تُضحي بمنطق التنازل، ولا تبالغ في إعطاء مساحات لأشخاص لا يملكون أدنى فكرة عن حدود التقدير.

السلام النفسي ليس أن تتجاوز الخذلان كأن شيئاً لم يكن، بل أن تعترف به، تتقبّله، تفهمه، ثم تُعيد بناء نفسك بوعي لا يسمح بتكرار الخطأ. هو حالة من التوازن لا تُبنى على نسيان ما حدث، بل على وضعه في مكانه الصحيح: درساً لا مأساة. وحين تنجح في تحويل لحظاتك المظلمة إلى ضوء داخلي يرشدك، تكون قد ارتقيت بنسختك دون أن تُعلن ذلك لأحد، دون صخب، دون ادعاء… بل عبر طريقة خطواتك، ردّك، صمتك، خياراتك الجديدة، التي يُلاحظها من كانوا سبباً في ألمك… لكن بعد فوات الأوان.

العلاقات السامة لا تكتفي بإيذائك أثناء وجودها، بل تترك وراءها رماداً من الأسئلة. أسئلة من نوع: هل كنت ساذجاً؟ لماذا لم أُدافع عن نفسي؟ لماذا لم أبتعد باكراً؟ لكن هذه الأسئلة، إن لم تُدار بوعي، تُصبح سُمًّا آخر يُضاف إلى سُم العلاقة الأصلية. الوعي هنا يعني أن تُدرك: أنك كنت في مرحلة سابقة تُحاول، تتأمل، تَصدق… ولم تكن جاهزاً للانسحاب. وهذا ليس ضعفاً، بل إنسانية. فلا تَجلد نفسك على ما فعلته بقلب نقي، لكن قرر أن لا تسمح لأحد أن يعبر إلى داخلك ثانيةً… دون مراجعة، دون حكمة، ودون تأمل حقيقي في أثره عليك.

كل مرة تُخذل فيها، هناك فرصة مخفية لتكون أفضل. لا في مهاراتك أو كلامك، بل في إحساسك بذاتك. أن تكتشف أنك كنت أكبر من أن تُعامَل بتلك الطريقة، وأرقى من أن تُلخَّص في مواقفهم. أن ترى فجأة كم كنت تُرهق نفسك في محاولة إرضاء من لا يهمهم أصلاً أن يروك كما أنت. وكلما اكتشفت هذا، شعرت بأنك تُولد من جديد، لا فقط بهوية جديدة، بل برؤية أوضح، وبصمتٍ لا يحتاج إلى تبرير، وبحضورٍ يفرض نفسه لا يحتاج إلى شرح.

ومن أكثر لحظات السلام النفسي صدقًا، تلك التي تشعر فيها بأنك لم تعُد غاضباً… لكنك لم تعد كما كنت. لم تعد منفتحاً على كل طارق، ولا مرحّباً بكل عابر، ولا مشغولاً بإرضاء كل من لا يراك. حينها تعرف أنك اقتربت من نسختك التي تستحق أن تعيش بها. نسخة لا تقطع الطريق على الحب، لكنها لا تسمح بأن يكون الحب باباً للأذى. لا ترفض القرب، لكنها لا تتنازل عن المسافة التي تحفظ التوازن. نسخة تُعطي، لكن بعين مفتوحة، وتسامح، لكن بعقل صاحٍ، وتُحب، لكن من مكان متزن، لا من حفرة الخوف من الفقد.

إذا كنت مررت بتجارب خذلان أثقلت قلبك، فلا تندم على لحظة صدق، ولا على موقف كان فيه قلبك فوق عقلك. هذه اللحظات هي التي صنعت فيك ذلك العمق الذي لا يُشترى، والصلابة التي لا تُزيف، والهدوء الذي لا يُقلَّد. أنت لست كما كنت… وهذا كافٍ. لأنك الآن أكثر احتراماً لنفسك، أكثر دراية بمن يُناسبك، أكثر قدرة على التمييز بين من يُحبك لذاتك، ومن يُحبك لما يأخذه منك.

 

الخلاصة:

نعم، خُذلت، وتألمت، لكنك أدركت قيمة نفسك. والآن، لا تكن أسيراً لتلك اللحظات، بل اجعلها الجسر نحو نسختك الأرقى. من الخذلان وُلد وعيك، ومن الوعي تشكّل سلامك النفسي. فامضِ، كما أنت الآن… هادئاً، ناضجاً، حقيقياً.

 


 

 

د. سلطان جميل عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد