Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

الصمت لا يعني الغفلة… بل إدراك لحظة اللاعودة

 

بعض القلوب ناعمة في ظاهرها، متسامحة في أسلوبها، ممتلئة بالعطاء والسكون، لكنها ليست كما تبدو دائماً. فالهدوء لا يعني الغفلة، والصمت لا يعني الجهل، والطيبة لا تعني السذاجة. كم من إنسان اختار أن يُجامل، وأن يُعطي، وأن يصبر، لا لأنه لا يرى، بل لأنه يراعي. لكن هناك لحظة فاصلة، لحظة يتوقف فيها كل شيء، ويبدأ فيها الإدراك الثقيل بأن الاستمرار لم يعد نُبلاً، بل استنزافاً. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا البُعد العميق للصبر الإنساني بعنوان الصمت لا يعني الغفلة… بل إدراك لحظة اللاعودة ، وذلك حين يصل إلى حدّه الأخير:


“قد يشعر البعض بأنك طيب القلب حد السذاجة، واستخفافهم بعطائك يمنحهم السعادة، ولا يعلمون أن وراء الصمت قوة إدراك لحتمية الرحيل بلا عودة.”

الناس لا تُدرك عادة خطأهم في لحظته، بل حين لا تعود موجوداً. حين لا يجدونك حيث اعتادوا، ولا يرَون فيك الوجه الساكن الذي كان يحتمل، ويبتسم، ويُعطي دون أن يطلب. اعتادوا حضورك وكأنه حقّ، وعطاءك وكأنه واجب، وسكوتك وكأنه غياب عقل. لكن الحقيقة أن العقل كان حاضراً جداً… حاضراً بصمته، وواعياً بعدم رده، ومدركاً أن كل خطوة إضافية في العلاقة تُخصم من احترام الذات، ومن كرامة التقدير. فكان الصمت قراراً لا غفلة، وكان الحضور الدائم مراقبة لا تبعية، وكان الرحيل حتماً لا تهوّراً.

هناك فرق عظيم بين من يسكت لأنه لا يعرف، ومن يسكت لأنه اختار ألا يقول. الطيبون غالباً لا يُحسنون الدفاع عن أنفسهم في الوقت المناسب، لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم لا يحبون أن يُشوّهوا العلاقة بكلمات قاسية أو ردود جارحة. لذا، يُفضّلون الصمت، ويؤجّلون المواجهة، ويُعطون فرصة، ثم أخرى، ثم يتراكم في داخلهم فهم لا يُقال. فهمٌ بأن الآخر لا يتغيّر، وأنه يُسيء الفهم عمداً، وأنه لن يقدّر مهما طال الانتظار. وعندها، يكون القرار داخلياً، صامتاً، حاسماً: الرحيل بلا صخب، والانطفاء بلا شرح.

حين يرى الآخر في صبرك ضعفاً، وفي طيبتك سذاجة، وفي عطائك تبعية، فاعلم أن اللحظة المناسبة قد حانت. لحظة المغادرة، لا كعقوبة، بل كإنقاذ ذاتي من علاقة تُفرّغك، لا تُكملك. المغادرة هنا لا تكون بالأقدام فقط، بل بالعقل أولاً، وبالعاطفة ثانياً، ثم بالجسد لاحقاً. هي انسحاب تدريجي من كل وهم أنك مُقدّر، وأنهم سيفهمونك يوماً ما. هي لحظة تُقرر فيها أنك لن تكون مرايا يُسعدهم أن يروا أنفسهم فيها، بينما يغفلون انعكاس جراحك التي لا يرونها.

الذين يستخفون بعطائك لا يفعلون ذلك لأنهم لا يشعرون به، بل لأنهم يُحبّون النتيجة، دون أن يُدركوا التكاليف. يُحبون أن تكون متاحاً، مبادراً، موجوداً، داعماً، لأنهم اعتادوا على ذلك، واعتقادهم هذا يجعلهم يعتقدون أن ما تُقدمه لا يُكلفك شيئاً. بل يرونك أقرب إلى “الضمان”، لا الشخص. يُريدونك “دواءً عاطفياً” يُستخدم عند الحاجة، لا كياناً يجب أن يُصان. وحين تتعب، أو تتألم، لا يفهمون. لأنهم لم يعتادوا أن يروا فيك شيئاً غير ما ينفعهم.

وهنا يكون القرار النبيل الذي يُولد من رحم الخذلان: أن تُغادر دون أن تُدين، أن تصمت دون أن تُشوّه، أن تسكت لا عن جهل، بل عن احترامٍ لنفسك أولاً، ولما كان بينك وبينهم، ثانياً. أن تُغلق الباب بهدوء، لأن الطرق التي لا تُصان… لا تستحق أن تُعبَد طويلاً. وأن لا تنظر خلفك، لأن من استخف بك ذات مرة، سيُعيدها إن عاد. الرحيل هنا ليس فعلاً عاطفياً، بل نضجاً متأخراً يُعيد ترتيب أولوياتك، ويُخبرك بأن الطيبة حين تتجاوز حدودها، تُصبح أذى ذاتياً بوجه لطيف.

ولا يُقال هنا: لا تكن طيباً. بل كن طيباً باختيارك، لا بإجبارك. كن كريماً مع من يعرف معنى الكرم، وصبوراً مع من يعرف قيمته، ومُتفهماً مع من يقدّر الاتزان لا من يستهلكه. الطيبة لا يجب أن تُلغيك، بل تُهذّبك، والعطاء لا يجب أن يُفقدك قيمتك، بل يُعبّر عنها. فإن شعرت أن ما تقدمه يُستهلك، ويُساء فهمه، ويُقابل بالفتور، فتوقف. ليس لأنك أقل، بل لأنك أدركت أن من لا يرى حجمك، لا يستحق وجودك.

العلاقات التي تبقى فيها لأنك لا تريد أن تجرح، غالباً ما تنتهي بأن تُجرح أنت. فليكن الرحيل أحياناً نوعاً من الوفاء… لذاتك. لأن بقاءك في مكان يُستخف فيه بطاقتك، ويُستنزف فيه صبرك، ويُعامل فيه عطاؤك كأمر مسلّم به، هو خيانة هادئة لحقك في علاقة متوازنة. وحين تُقرر أن تُغادر، لا تُبرر، ولا تُفسر. فقط ابتسم لنفسك، وامضِ. لأن من لم يسأل عن ألمك، لا يستحق أن يسمع شرح قرارك.

قد يراك الناس هادئاً أكثر من اللازم، وصامتاً في غير موضع، ومتسامحاً بلا حد. لكنهم لا يرون الداخل. لا يرون كم مرة قلت فيها “لا بأس”، وكم مرة قلت: “سأُعطي فرصة”، وكم مرة قلت: “لعلهم يتغيرون”. وحين يُغلق القلب، لا يُطرق. وحين يتخذ القرار في صمت، لا يُبدَّل. فالعودة بعد الإدراك الصادق… خيانة للنضج.

الخلاصة:

الطيبة لا تعني الغفلة، والصبر لا يعني العجز، والعطاء لا يعني التنازل. حين تُدرك أن حضورك لم يعد يُقابل بالاحترام… فالرحيل بصمت، هو أعلى درجات الكرامة. ووراء كل صمتٍ طويل، إدراك لا يُقال… لكنه يُغلق كل الأبواب التي لا تستحق فتحها مرة أخرى.

 


 

د. سلطان جميل عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد