من أسمى صور النجاح في الحياة أن لا يقتصر أثره عليك وحدك، بل يتعداك ليصبح مصدر إلهام، ومنهجاً نقياً، وسلوكاً يُحتذى. فكم من ناجح خفت أثره لأنه لم يكن خليقاً بالاقتداء، وكم من إنسان ترك بصمة لا تُنسى لأن ما فعله اقترن بأخلاقه، لا فقط بإنجازه. في عصرٍ تضخّمت فيه الصور، وتكاثرت فيه أصوات الادّعاء، أصبح من النادر أن نجد نماذج تجمع بين الإنجاز والخُلق، بين التفوق والتواضع، بين السعي والنية الصافية. وقد تناولت ضمن مدونتي “أولي النهى” هذا المعنى بعنوان من التفوق إلى التأثير… كيف تجعل نجاحك قدوة؟ في العبارة:
“احرص بأن يكون نجاحك وتفوقك منهجاً يُحتذى به الآخرون، متأسياً بخُلقٍ يقتدون به.”
النجاح الحقيقي ليس ما يُكتب في السير الذاتية، ولا ما يُعلّق على الجدران، بل هو ما يُزرع في قلوب الناس. هو ذلك الأثر الصامت الذي يتركه الإنسان فيمن حوله دون أن يتحدث، ودون أن يُعلن عن إنجازه. هو أن تمرّ في الحياة وتبقى ملامحك محفورة في ذاكرة من عملوا معك، لا لأنك كنت الأذكى، بل لأنك كنت الأصدق. وأن يُقال عنك: “كان قدوة لا يُشبه أحداً”، لا فقط لأنه أنجز، بل لأنه حين أنجز، رفع معه من حوله، وفتح الباب لغيره، وحافظ على تواضعه كما يحافظ على اسمه.
ليس المطلوب أن يكون كل إنسان قائداً عظيماً أو رمزاً عالمياً، ولكن المطلوب أن يكون صادقاً مع ذاته، ومُلهماً في محيطه، ولو في دائرته الصغيرة. أن يرى من حوله أن بلوغه أهدافه لم يأتِ بالتلاعب أو التجاوز أو التسلّق، بل بالجد والإصرار والنقاء. وهذا وحده كفيل بأن يجعل من نجاحه “منهجاً يُحتذى”، لا قصة تُنسى بعد فترة. فكل طفل يتعلّم من والده السلوك قبل النصيحة، وكل موظف يتعلّم من قائده الهيبة قبل الأوامر، وكل تلميذ يقتدي بمعلمه بالصمت أكثر من الكلام. فإن نجحت ونسيت أن تُنمذج نفسك للأجيال… فقد نجحت ناقصاً.
في ثقافتنا المتوارثة، كثيراً ما اقترن التفوق بالكبرياء، وكأن من ينجح يجب أن “يتغير”، أن يتحدث بنبرة أعلى، أن يبتعد عن البسطاء، أن يستعرض إنجازه في كل مجلس. وهذا الفهم الخاطئ حوّل كثيراً من أصحاب النجاحات إلى “رموز منفرة”، يُقتدى بإنجازهم لا بسلوكهم. لكن النموذج الأصيل، هو ذاك الذي تراه متفوقاً دون استعراض، حاضراً دون ضجيج، كريماً بما تعلم، هادئاً في ردوده، متمكناً في مواقفه، لا يعلو على الناس، بل يرفعهم بما يعرف.
الاقتداء لا يولد من الإعجاب فقط، بل من الطمأنينة. والناس لا يقتدون بمن يُدهشهم، بل بمن يُشبههم ويمنحهم أملاً أنهم يستطيعون مثله. فالقدوة ليست مثالاً معقداً، بل هي تبسيط للممكن. كلما رأى الناس فيك إنساناً يُخفق أحياناً، ويتعلّم دائماً، ويعتذر بشجاعة، ويُطور نفسه بإصرار، كلما صدقوا أنك مثلهم، لكنك اخترت أن تكون أفضل. وهنا تحديداً يبدأ الاقتداء: حين لا تُرعب الآخرين بنجاحك، بل تُلهِمهم لأنك سبقتهم بخطوة يمكنهم أن يسلكوها.
في بيئة العمل، تبرز القدوة من طريقة تعاملك أكثر من طبيعة إنجازك. من طريقتك في الاحتواء، في توزيع الفرص، في إدارة الأزمات. الموظف الذي يراك ترتقي ولا تحتقر، تحاسب بعدل لا بقسوة، تُثني حين يجب، وتُصلح حين يلزم، سيكون أكثر ولاءً منك حين تتحدث عن “القيم المؤسسية”. لأنك ببساطة تُجسدها، لا تُكرّرها نظرياً. كل من في دائرتك يقتدي بك تلقائياً لا لأنك فرضت، بل لأنك أصبحت مرجعاً سلوكياً يُشعِرهم أن النجاح لا يُناقض الإنسانية، بل يكملها.
حتى في الأسرة، أنت قدوة دون أن تدري. ابنك لا يسمع ما تقوله فقط، بل يراقب كيف تتحدث، كيف تغضب، كيف تحترم والدته، كيف تعتذر. زوجتك تراك كما تتصرف لا كما تتحدث. أخوك الأصغر يراك نموذجاً إما يُحتذى أو يُتجنّب. لذا، فإن كل تفوّق تحققه يجب أن يكون مشفوعاً برقيّ في الأخلاق، حتى لا يكون برّاقاً فقط من الخارج. فكم من أب ناجح مهنياً، فاشل وجدانياً في بيته؟ وكم من مدير محبوب خارج مكتبه، مخيف داخله؟ هذا الانفصال بين الصورة والأثر هو ما يجعل الكثيرين يُشككون في كل نجاح… لأنه لم يُترجم إلى سلوك.
أما في دوائر التأثير الأوسع، فإن المسؤولية أعظم. الكاتب، المتحدث، المشهور، صاحب الكلمة، هؤلاء إن نجحوا دون أن يُحسنوا السلوك، انحرف أثرهم. لأن الناس تراقبهم بشدة، وتُضخم أخطاءهم، وتنتظر منهم أكثر مما يتوقعون. فإن خذلوا الثقة، ضاع كثير من المتابعين في متاهة: هل النجاح يُبيح الترفّع؟ هل الإنجاز يُبرر التسلّط؟ وهل يمكننا أن ننجح دون أن نتخلّى عن أنفسنا؟ أسئلتهم هذه لا تُجاب بالنظريات… بل بأفعالك أنت.
أن يكون نجاحك منهجاً، لا يعني أن تُلزم الناس بما تفعل، بل أن تُريهم أنه ممكن. وأن تزرع في قلوبهم المعنى، لا فقط الصورة. وأن تُلهمهم عبر كل مرة أحسنت فيها، ورفعت غيرك، وتحدثت بإيجاز، وتصرفت بلباقة، وتحملت دون أن تُحرج. فإن فعلت، فنجاحك لا يُصبح مجرد سيرة، بل مدرسة… وكل من مرّ بها، حمل شيئاً منك معه دون أن تطلب.
الخلاصة:
إن أردت أن يقتدي بك الناس، كن النموذج الذي طالما تمنيته في الآخرين. لا تُبهرهم، بل قرّبهم. لا تُلقِ الدروس، بل اجعل حياتك درساً. فالنجاح العظيم لا يحتاج صخباً… يكفي أن يكون خَلقاً، فيُكتب في القلوب قبل أن يُقال في المجالس.

