Signup our newsletter to get update information, news, insight or promotions.

لماذا لا يجب أن تجادل السفيه

ليس كل الطرق توصل إلى النور، وليس كل الأبواب تستحق أن تُطرَق، ولا كل من يضع نفسه في مرمى حديثك يُعتبر طرفاً صالحاً للنقاش. في الحياة، نتعلّم أن هناك من لا يُمكن أن تُبني معهم جسراً مهما حاولت، لا لأنك لا تُجيد البناء، بل لأنهم يعشقون الهدم بطبعهم، وينفرون من كل محاورة عاقلة لا تمنحهم مساحة صراخهم المعتادة. ومن بين أولئك تجد من يُعرف بالسفه، لا لأن لسانه بذيء فقط، بل لأن منطقه فارغ، ورغبته في التغلب أقوى من رغبته في الفهم. هؤلاء لا يناقشون ليُقنعوا أو يقتنعوا، بل ليُهاجموا، ويُشعروا الآخرين بأنهم لا شيء. وقد تناولت هذا المعنى ضمن مدونة “أولي النهى”، بالسؤال لماذا لا يجب أن تجادل السفيه بمقولة:

 

لا تجادل السفيه مهما بلغت حاجتك إليه، فلن تبلغ حاجتك، ولن تسلم من سفاهته.” وهي ليست مجرد عبارة عابرة، بل خريطة وعي تحفظ لك كرامتك وعقلك في آنٍ معاً.

الحاجة قد تدفع الإنسان إلى أماكن لا تليق به، وقد تُغريه بالمساومة على مبادئ كان بالأمس يراها خطاً أحمراً. حينما تحتاج شيئاً من سفيه، قد تتوهم أنك إن لطّفت حديثك، أو خفضت نبرة صوتك، أو استخدمت ألفاظاً مقنعة، فستنال ما تريد. لكن الواقع يقول عكس ذلك، لأن السفيه لا يُقيم وزناً لكرمك، ولا يقدّر حسن نيتك، بل يظن سكوتك ضعفاً، وتلطفك خضوعاً. وحين يراك في موضع الطلب، يمدّ سيف السخرية دون تردد، لأن متعته ليست في التجاوب، بل في جعلك تتلوّى من شدة حاجتك، فكل ما برّرت له، زاد جفاؤه، وكلما سكتّ عن وقاحته، ظن أنك لا تملك رداً، وكلما حاولت أن تفهمه، ازداد إصراراً على أن لا يفهمك.

الجدال مع السفيه معركة خاسرة قبل أن تبدأ، ليس لأنك ضعيف، بل لأن القواعد منعدمة، والاحترام مفقود، والأرضية غير متكافئة. أنت تُجادل بحجة، وهو يُهاجم بنية، أنت تُفكر بمنطق، وهو ينفعل بعاطفة مريضة. كل عبارة تقولها تُؤوّل، وكل كلمة تكتبها تُسحب من سياقها، وكل ابتسامة تُفهم على أنها تراجع. وأمام هذا التشويه المتعمد، تنقلب النية الطيبة إلى تهمه، ويصبح حرصك على التوضيح مبرراً لاتهامات جديدة. وهنا، تدرك أنك لا تُجري نقاشاً، بل تُمارس جلد الذات، لأنك أعطيت من لا يستحق فرصة للعبث بك، وفتحت له باباً إلى داخلك، كنت بالأمس تحميه من أقل كلمة.

في واقعنا الاجتماعي التكنولوجي (Social Media)، حيث الحروف تُقتطع من سياقها، والصورة تُحكم قبل أن تُكتمل، تجد نفسك أمام سُفهاء من نوع رقمي، لا يعرفون حدوداً ولا يُراعون لغة. هؤلاء يختبئون خلف أسماء مستعارة، ويهاجمون بلا شفقة، يظنون أن التهكم موهبة، وأن الحدة علامة على الجرأة، وأن الردّ الساخر يصنعهم مؤثرين. ومعهم، يصبح الدخول في نقاش معهم ليس فقط مضيعة وقت، بل استنزافاً لهيبتك، واستهلاكاً لصورتك العامة. فقد تُخطئ برد واحد، فتُحسب عليك ألف إساءة. لذا، فإن التجاهل في هذه المساحات ليس ضعفاً، بل وعيٌ رقمي، ومهارةُ من يُقدّر ما يُقال ولمن يُقال.

ومن أوسع أبواب النضج، أن تدرك أن الصمت لا يعني العجز، بل وعيٌ بالتوقيت، وتقديرٌ لمقامك. وأنك حين تمتلك القدرة على الرد، ثم تختار ألا تفعل، فأنت تمارس أقوى أنواع السيطرة على النفس. إن الصمت في وجه السفيه ليس انسحاباً، بل ارتقاء، لأنه في الغالب لا يفهم الردّ، بل يستفزه. وإذا كنت تبحث عن موقف يُرهب السفيه أكثر من الكلام، فهو أن تُشيح بوجهك عنه، وكأن وجوده لا يعني لك شيئاً. لا تُفسر له صمتك، ودعه يتخبط في ظنونه، لأن ما لا يفهمه، يُربكه أكثر مما تُربكه الحجة نفسها.

السفيه لا يؤمن بالقيم المشتركة، ولا يبني حواره على الاحترام المتبادل، بل يُدير جداله كصراع، ويقيس ذاته بمدى قدرتك على الرد، لا بمستوى ما يقول. هو يرى في الحوار معك فرصة لإسقاطك، لا لبنائك. لذلك، فإن كل محاولة لك لتقريبه، تُقابَل بالاستهزاء، وكل بادرة حسن نية، تُفسّر على أنها تردد. وهو بذلك يعكس اضطرابه الداخلي، لأنه في الحقيقة لا يُجادل ما تقوله، بل يُقاتلك لأنك تُزعجه بهدوئك، وتُرعبه بثقتك، وتُحرجه بصمتك.

النبي ﷺ قال: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا.” وهذه ليست دعوة للصمت في كل حين، بل توجيه نبوي رفيع المستوى يُحدد متى يكون الجدال عبثاً، ومتى يُصبح تركه قمة الأخلاق. والقرآن سبق إلى ذلك، حين وصف عباد الرحمن بأنهم ﴿إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾. فالسلام هنا لا يعني الضعف، بل وضع حد للحوار الفارغ. والسفيه هو الجاهل الذي لا يطلب السلام، بل يشعل الحرب.

الكرامة لا تُقاس بعدد الردود، بل بعدد المرات التي حفظت فيها نفسك من الانحدار. قد يراك البعض صامتاً ويتهمك بالهرب، لكنك في الحقيقة تهرب من السقوط لا من الموقف. وقد تُظلم مرة بصمتك، لكنك تُنصف نفسك مئة مرة حين تختارها على حساب المهاترات الحوارية. فليكن صمتك درعاً، لا سجناً، وسقفاً يُظلك لا جداراً يُقيّدك. وكلما شعرت بالحاجة إلى الحديث، تذكّر من تُخاطب، وهل يستحق صوتك أصلاً؟

الهيبة ليست أن تردّ، بل أن تُسكت من يصرخ دون أن تقول حرفاً. أن تمضي في طريقك بينما يركض الآخرون خلف ردّك. أن تُصبح غيابك أبلغ من حضور غيرك، وصمتك أكثر وقعاً من كل صخبهم. هذه ليست مثالية، بل وعيٌ عميق بقيمة الكلمة، ومتى يُقال، ولمن يُقال. فحين تُطيل الوقوف في ساحة لا تُكافئ الصدق، لا تَلُم إلا نفسك حين تخرج منها محبطاً، أو مجروحاً، أو مُقللاً من شأنك.

الخلاصة:

اجعل صمتك اختياراً واعياً لا عجزاً متردداً، ولا تجعل حاجتك تجرّك إلى من لا يُقدّر حتى نفسه. فـلا تجادل السفيه مهما بلغت حاجتك إليه، لأن الحاجة تنقضي، أما السفه فعدواه تبقى، وإن دخلت أرضه، لن تخرج منها كما كنت. دع حاجتك لله، وكرامتك لنفسك، وصوتك لمن يسمعه بعقل وقلب.

 


 

د. سلطان عقيل

جعلنا الله واياكم من أولي النهى

2026© جميع الحقوق محفوظة لـ د. سلطان عقيل – موقع أولي النهى ouli-alnouha.com
يُسمح بنقل أو اقتباس المحتوى بشرط ذكر المصدر بوضوح مع رابط مباشر للمقالة الأصلية.

Facebook
Twitter
Email
Print

2 Responses

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟

أين يختل الميزان؟ ولماذا يحتاج الأبناء إلى حدود أكثر من المجاملة؟ التوازن بين الحنان والحزم، وتوضح لماذا لا ينبغي أن يكون الأب صديقًا، بل مرجعًا يُحتذى لبناء الاحترام والقيم.‎

→ قراءة المزيد