في حياة يتسارع فيها الإيقاع وتكثر فيها الوجوه وتتشابك فيها العلاقات، باتت الثقة عملة نادرة، لكنها ما زالت تُشكّل حجر الأساس لكل علاقة إنسانية مهما كان شكلها أو عمقها. الثقة هي الشعور الذي يجعلنا نشغر بالارتياح أثناء غيابنا، ونطمئن حين لا نفهم، ونُصدق حتى دون أن نطلب دليلاً. هي اللغة التي لا تُنطق لكنها تُشعر، والضوء الخفي الذي يُضيء مسار العلاقات حتى في أحلك لحظاتها. ومن تأملاتي في هذا الجانب، ضمن مدونتي “أولي النهى” مفهومًا يُضيء هذا المعنى الإنساني العميق بعنوان الثقة… حجر الأساس في العلاقات الإنسانية.. فلا تكن مصدراً للريبة، فقلت:
“الثقة معيار كل علاقة.. فلا تجعل تصرفاتك مريبة حتى يطمئن من حولك.”
في كل علاقة بشرية، هناك منطقة حساسة تُسمى “منطقة الأمان”، وهي تلك المساحة النفسية التي تجعل الطرف الآخر يشعر بأنه ليس مضطراً أن يتأهب، أو يُحلل كل تصرف، أو يُعيد قراءة كل كلمة بحثاً عن معنى خفي. وهذه المنطقة لا تُبنى بالكلمات المنمقة، بل بالسلوك الثابت، وبالإحساس بأن ما تفعله في غيابه، لا يختلف عمّا تفعله أمامه. هذه هي الثقة في جوهرها: أن يشعر الآخر بأنك واضح حتى حين لا تشرح، صادق حتى حين تصمت، نزيه حتى حين تغيب. والخطر كل الخطر، حين تُصبح تصرفاتك مبهمة، أو مزدوجة، أو مثيرة للريبة، فتُفقد الطرف الآخر ذلك الإحساس بالأمان، وتزرع فيه الشك، لا لأنك أخطأت صراحة، بل لأنك لم تكن صريحاً كفاية.
كم من علاقة قوية تصدعت ليس بسبب خيانة، بل بسبب شعور داخلي بأن هناك “شيئاً لا يُقال”، أو “أمراً غامضاً يتكرر”، أو أن هناك تضارباً بين ما يُقال وما يُفعل. الإنسان بطبعه يشعر بالأشياء قبل أن يراها، ويقرأ لغة الجسد قبل أن يفهم الكلمات. ومن خلال أبسط الإشارات، قد يبني قناعة كاملة، أو على الأقل يبدأ في فتح باب التوجس. وإذا فتح الشكّ بابَه في أي علاقة، فإنه لا يُغلق بسهولة. لأن كسر الثقة لا يحتاج صدمة كبيرة، بل يحتاج فقط إلى سلوك غامض يتكرر دون تفسير.
ليس مطلوباً منك أن تُبرر كل حركة أو توضح كل خطوة، لكن المطلوب أن يكون حضورك نقياً، وسلوكك واضحاً، فلا تترك ثغرات تُثير تساؤلاً، أو تصرفات توحي بتناقض، أو سلوكاً يوصل رسائل مزدوجة. ومن أصعب ما يُقال عن إنسان: “لا أعرف ماذا يقصد” أو “لا أعرف كيف أفسّره”. لأن هذه الحالة تعني أن التواصل تعثّر، وأن الصدق لم يعد ظاهراً، وأن الحذر بدأ يغلب على الطمأنينة. والعلاقة التي يُخيم عليها الحذر لا تزدهر، بل تبقى في حالة ترقّب تؤجل فيها المشاعر، وتُجمّد فيها الثقة حتى إشعار آخر.
الثقة ليست فقط أن تكون أميناً، بل أن يشعر الآخر أنك أمين. الفرق بين الفعل والشعور كبير. يمكنك أن تكون مخلصاً، لكن تصرفاتك الملتوية تُفقدك ذلك الشعور، أو تُحوله إلى ظن لا يكفي للاستقرار. وكم من أزواج، وأصدقاء، وشركاء في العمل، دمّروا جسوراً متينة لا لأنهم خائنون، بل لأنهم لم يُديروا صورتهم النفسية لدى الآخر بوضوح. إن الغموض العاطفي، وعدم الشفافية، والتصرفات “المريبة”، تُفقدك ما لا تُعوضه كلمات الحب أو الولاء، لأن الصدق الإنساني لا يُقاس بما تقول، بل بما يُفهم منك دون أن تتحدث.
ومن أكبر الأخطاء أن تُطالب بثقة الآخر، دون أن تُسهم في بنائها. أن تغضب لأنه شكّ بك، وأنت لم تمنحه دليلاً واحداً على صدقك سوى تكرار عبارة “ثق بي”. الثقة لا تُؤخذ بالقوة، ولا تُفرض بالعواطف، بل تُكسب. وهي لا تُبنى على موقف واحد، بل على تراكم مئات المواقف الصغيرة. فإن أردت أن تثق بك زوجتك، أو صديقك، أو جمهورك، فأول ما عليك فعله: أن لا تترك مجالاً للشك. وأعظم ما تُقدمه لهم: أن تكون شفافاً في وقتٍ كثر فيه الالتباس.
الثقة أيضاً ليست علاقة بصرية، بل إحساس داخلي. فقد يراك الآخرون، لكنهم لا يشعرون بك. وقد تشرح كثيراً، لكن لا يصل منهم شيء. لأن فقدان الثقة يجعل كل جميل مُشوّهاً، وكل صادقٍ محل تساؤل، وكل سلوك بسيط يبدو وكأنه حركة مقصودة لإخفاء شيء ما. لذلك، فإن من فقد ثقته بك، يرى نيتك مظلمة حتى لو كانت منيرة. ومن حافظت على ثقته، فإنه يُحسن الظن بك حتى حين تُخطئ، لأنه بنى صورةً عميقة عنك تُقاوم الهزّات العابرة.
في العلاقات المهنية، يُعد الوضوح أساساً للتقدير. فالرئيس الذي يُربك موظفيه بتصرفاته، ويُعطي رسائل مزدوجة، لا يُمكن أن يُكسب ولاءهم. كما أن الموظف الذي يُخفي معلومات، أو يُغيّر مواقفه تبعاً للموقف، يُفقد الآخرين الراحة في التعامل معه. وفي الحياة الزوجية، فإن الغموض في المواقف، أو عدم المصارحة، أو تغيير نبرة الحديث فجأة، كل ذلك يُقلق الطرف الآخر، ويخلق تساؤلات تنمو بسرعة، ولا تتراجع إلا بعد جهد. لذلك، فإن إدارة العلاقة بحكمة تبدأ من سلوكك الذي تراه بسيطًا… لكنه في عين غيرك رسالة وجود أو تهديد.
في النهاية، لا يُمكن لأحد أن يطلب من الآخرين أن يثقوا به، ما لم يُمارس سلوكاً يومياً يحفظ هذه الثقة. ولأن الثقة لا تُستعاد بسهولة بعد كسرها، فإن الحذر من كسرها أولى من علاجها لاحقاً. فليكن سلوكك واضحاً، ولغتك متزنة، ووجودك صادقاً. لا تُعط مبرراً لتأويل، ولا تترك فجوة يدخل منها الشك. كل ما يحتاجه من حولك منك هو “الطمأنينة” التي تُقال دون أن تُنطق، وتُشعر دون أن تُشرح. فإما أن تكون مأوى من الإطمئنان، أو أن تُصبح فجوة يمر منها القلق.
الخلاصة:
الثقة لا تُبنى بكلامٍ جميل، بل بفعلٍ واضح، ولا تحفظها العاطفة فقط، بل الشفافية والانضباط. فلا تجعل من تصرفاتك ثغرات للشك، ولا تترك لمن حولك مساحة ليُخمنوا نواياك. كن كما تريدهم أن يراك… واضحًا، مستقيمًا، مطمئنًا، لأن الطمأنينة لا يُمكن فرضها، بل تُستحق.

